فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 584

وثمة أمور مهمة يتعين علينا أن نضعها نصب أعيننا ونحن بصدد دراسة هذا الموضوع:

أولًا: أن التوصيف الحقيقي للثنائية التي معنا قد شابهُ شيء من الخطأ وغياب التحديد الدقيق، فظن البعض أن العلاقة هي ما بين نقلٍ محضٍ وعقلٍ محضٍ، مع أن المتكلمين أنفسهم -كما تقدم في المدخل التمهيدي- يرفضون وجود دليل نقلي محض، ويحذفونه من جملة الأنواع الممكنة للدليل؛ لأن كل مستخدم لنص من النصوص يتعامل معه بعقله، ويفهمه حسب إدراكاته ومعارفه، والنص في ذاته كثيرًا ما ينطوي على مضامين عقلية إضافة لكونه خبرًا، ثم إنه معتمد على مقدمة عقلية سابقة أثبتت صحته، وعن طريقها عُرف صدقه، وهكذا فإن العلاقة ليست بين «نقل وعقل» وإنما بين «نقل ممزوج بعقل -أو نقل مؤيد بعقل- وعقل مجرد» .

ثانيًا: لعلَّ من أبرز العوامل التي ساعدت على ظهور هذه المشكلة، افتراض البعض وقوع نوع من التعارض بين النقل والعقل، سواء أكان تعارضًا حقيقيًّا -ولا أظن أن مسلمًا يقول بجوازه- أم تعارضًا ظاهريًّا على مستوى الفهم البشري.

والمهم أنه بناءً على هذا الافتراض بدأ البحث عن تقعيد قانون، أو أصلٍ كلي يُرجع إليه لحل ذلك المأزق، وتحولت العلاقة بين الدليلين من التوافق التام في جميع الأحوال إلى صيغة « .... إما ... وإما» في حالة التعارض، فإما نقلًا، وإما عقلًا، ولا مناص من تقديم أحدهما؛ إذ الجمع بين النقيضين محال، ورفعهما بالكلية ممتنع؛ لكن إذا ثبت استحالة وقوع التعارض ابتداء فإن ما بُني عليه سوف ينهار من أساسه، وتنتفي الحاجة إلى كل ما ثار حول الموضوع من جدال أو نزاع.

ثالثًا: لا يجوز النظر إلى النقل والعقل كما لو كانا ضدين، أو نِدَّين متعادلين؛ بل الصحيح أن بينهما توافقًا وانسجامًا وتجانسًا، وإن كان أحدهما -وهو النقل- أكبر من الآخر، وأوسع دائرةً وأشمل مجالًا، وإنما جاء ليكون بمثابة الأصل والميزان الذي يرجع إليه العقل، وتُختبر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته، وتصحح به اختلالاته وانحرافاته، ثم ليوسع من مجال إدراكه وحدوده، وليطلعه على معارف وعلوم وحقائق لم يكن بوسعه أن يبلغها أو يصل إلى الإحاطة بها (1614) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت