فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 584

أولًا: موقف المعتزلة

تأثر المعتزلة تأثرًا بالغًا بفكرة الدور -التي سنخصُّها بعرض مفصل فيما بعد- حينما تعرضوا لإمكانية الاستدلال بالإجماع على أمور العقيدة، وقد تشابهت الآراء النظرية لكلٍّ من القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، كمعبرين عن وجهة النظر الاعتزالية في تناولهما لهذا الموضوع، ونستطيع من خلال نصين مطولين (1092) لهما أن نخرج بمجموعة من الأسس العامة التي حددت نظرتهما للإجماع ومجال الاستدلال به، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

(أ) ثبوت حجية الإجماع فرع عن ثبوت حجية الكتاب والسُّنَّة، والتي تفتقر إلى معرفة الله بتوحيده وعدله، وصدق الرسول، وكلها أمور لا يتأتى إثباتها إلَّا بالعقل، ولا مدخل للأدلة السمعية في تحصيلها.

(ب) وتفريعًا على الحقيقة المتقدمة؛ فلا يجوز الاحتجاج بالإجماع في كل أصل عقدي يتوقف إثبات حجيته عليه؛ لئلا يلزم الدور الممتنع؛ ومن ثم لا يصح الاستدلال بالإجماع في إثبات وجود الله أو معرفته بالتوحيد والعدل، وتقرير صدق الرسول ونبوته.

(جـ) ويمكن الاحتجاج بالإجماع فيما سوى الأصول الكبار المتقدمة؛ كمسائل السمعيات، ورؤية الله في الآخرة، والوعد والوعيد، والإمامة، وما أشبهها مما لا يتوقف ثبوت الإجماع على القول بها.

(د) لكن حال الإجماع في هذه المسائل لا يزيد على حال الكتاب والسُّنَّة، فكل إجماع خالف مقتضى العقل وضرورياته -من وجهة نظر المعتزلة- أُوِّلَ، وحُمل على أحد المحامل الممكنة؛ ولذا كما يقول القاضي عبد الجبار: «تأول شيوخنا كثيرًا من إطلاق المجمعين على وفاق الأدلة الصحيحة، وجعلوها كمتشابه القرآن في هذا الباب» (1093) .

(هـ) ولا مانع أحيانًا من الاستشهاد بالإجماع في الأصول الكبار؛ كمسائل التوحيد والعدل، لا لأنه يصلح للاعتماد عليه أو الاحتجاج به، وإنما من باب التعضيد والتأكيد لما ثبت عقلًا، ولإلزام خصوم المذهب ومخالفيه، وإظهار أن أقوالهم خارجة عن إجماع الأمة، ومخالفة لما اتفقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت