ولا يعني ما تقدَّم خلو كتابات الأشاعرة من المشاركة في هذا الباب؛ فأبو الحسن له تآليف في الردَّ على ابن الراوندي بصفة خاصة؛ من ذلك نقض كتاب «التاج» ، ونقض مقالاته في الصفات والقرآن، كما ردَّ على الملحدين عامة في كتاب أسماه «الفنون في الردِّ على الملحدين» وألَّف كتابًا يرد به على مطاعنهم حول القرآن عنوانه «متشابه القرآن» (279) ، وأفرد الباقلاني مواضع من كتابه «إعجاز القرآن» (280) ، و «الانتصار لنقل القرآن» (281) للردِّ عليهم، كما أن كتابه «كشف الأسرار وهتك الأستار في الردِّ على الباطنية» (282) يمكن إدراجه في هذا المجال؛ لأن الباطنية في حقيقة أمرهم ليسوا إلَّا زنادقة ملحدين، أرادوا الطعن في الإسلام، فتستروا خلف ستار التشيع، وحبِّ أهل البيت؛ ولذا وصفهم الباقلاني بأنهم «قوم يُظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض» (283) ، كما أن لأبي حامد الغزالي كتابه المعروف «فضائح الباطنية» .
وقد أشار ابن تيميَّة إلى طرف من جهود أهل العلم -ولا سيما الأشاعرة- في الردِّ عليهم، وذكر أن المسلمين قد صَنَّفوا في (كشف أسرارهم، وهتك أستارهم كتبًا كبارًا وصغارًا، وجاهدوهم باللسان واليد؛ إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى، ولو لم يكن إلَّا كتاب «كشف الأسرار وهتك الأستار» للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، والشهرستاني، وغير هؤلاء مما يطول وصفه) (284) .
ولفخر الدين الرازي -من بين متكلمي الأشاعرة- عناية خاصة بعرض شُبَه ومطاعن الخصوم من الملاحدة وغيرهم والردِّ عليها، ولكن مما انتقده عليه غير واحد من أهل العلم توسعه في عرض الشُّبَه تفصيلًا، حتى لو رام أصحاب تلك المذاهب إيراد حججهم على أحسن وجه ما زادوا على كلامه، فإذا ما انتهى إلى الرد على تلك الشُّبَه، فإن الإعياء وانقطاع النفس يأخذان منه كل مأخذ، فيأتي رده مختصرًا لا يتناسب مع خطورة الشبهة وطريقة عرضها (285) ، مما دعا بعض المغاربة إلى تأليف كتاب ضخم في مجلدين أسماه «المآخذ على مفاتيح الغيب» ينتقد فيه تلك الطريقة (286) .