فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 584

السمة الأولى: الفردية الشديدة داخل المذهب حتى يكاد كل واحد من رجاله يمثل مدرسة شبه مستقلة، ويخالف الولد أباه، ولا يتفق رجال المذهب إلَّا على أصولهم الخمسة، وكل ما سوى ذلك قابل للنزاع والاختلاف.

والسمة الأخرى: العقلانية المفرطة، والتي تسمح مع السمة السابقة في أن يبث ما شاء صاحب الهوى أن يبثه محتميًا بتقديس العقل والحرية المطلقة في اعتقاد ما انتهى إليه النظر من آراء.

وختامًا: فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن جهود المعتزلة في مجال الرد على مطاعن الزنادقة والملحدين مشكورة غير منكورة؛ بل تكاد تمثل الجانب الوحيد المتفق عليه بين خصوم المعتزلة ومحبيهم، وقد فضلهم واحد من خصومهم الكبار -وهو ابن تيميَّة- على سائر الطوائف الأخرى من هذه الحيثية فقال: «ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج» (275) وعلل ذلك بأن لهم كتبًا «في تفسير القرآن، ونصر الرسول، ولهم محاسن كثيرة يترجحون بها على الخوارج والرافضة، وهم قصدهم إثبات توحيد الله، ورحمته، وحكمته، وصدقه، وطاعته؛ لكنهم غلطوا في بعض ما قالوه، في كل واحد من أصولهم الخمسة» (276) .

وإذا انتقلنا إلى الأشاعرة فسوف نلاحظ أن إنتاجهم العلمي في هذا الباب أقل درجة عن المعتزلة، ومردُّ ذلك إلى عدد من العوامل منها:

(أ) اعتقادهم أن جهود المعتزلة في هذا الموضوع قد سدت الثغرة، وأدت الغرض، فلا حاجة إلى الإطالة، وقد اعترف الباقلاني بذلك فقال: «الكلام على مطاعن الملحدة في القرآن مما قد سُبقنا إليه، وصنف أهل الأدب في بعضه فكفوا، وأتى المتكلمون على ما وقع إليهم فشفوا، ولولا ذلك لاستقصينا القول فيه» (277) .

(ب) معاصرة أئمة الاعتزال الأوائل لحركة الزندقة؛ حينما كانت في أوج شدتها؛ بينما خفت حدتها بعض الشيء في عهد أئمة الأشاعرة.

(جـ) انشغال أبي الحسن الأشعري وتلامذته بالرد على المعتزلة والفلاسفة (278) ، واستحواذ ذلك على النصيب الأكبر من جهودهم، مما أدى لقلة العناية بالرد على الزنادقة والملحدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت