وتبقى ظاهرة جديرة بالملاحظة والدراسة، تواجه الباحث في الفكر الاعتزالي؛ وهي ابتلاء مذهبهم بعدد غير قليل ممن انتسبوا إلى الاعتزال، ودانوا بفكره أولًا، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الزندقة والإلحاد، سواء أكان تحولهم حقيقيًّا، أم هم في الأصل زنادقة، تستروا بالانتساب إلى الاعتزال حفاظًا على وجودهم، وتوفيرًا للغطاء اللازم لبث وترويج أفكارهم في المجتمع المسلم، ومن هؤلاء النفر: بشار بن برد الشاعر المعروف، وأحمد بن خابط، وأبو عيسى الوراق، وفضل الحدثي، ويحيى بن كامل، وأحمد بن أيوب بن بانوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء (268) ، وأشهرهم على الإطلاق: ابن الراوندي (269) .
والحق أن المعتزلة قاوموا هذه الحركة الانشقاقية المرتدة بشدة وحسم، فأخرجوا هؤلاء الزنادقة من صفوفهم، وتبرءوا منهم، كما ألفوا العديد من الكتب في الرد عليهم، واخْتُصَّ ابن الراوندي بالنصيب الوافر؛ إذ كان أشدهم خطرًا، وأكثرهم تأليفًا، فنقض أبو هاشم الجبائي كتابه «الفريد» (270) ، ونقض أبو علي «نعت الحكمة» ، و «قضيب الذهب» ، و «التاج» ، و «الزمرد» ، و «الدامغ» الذي خصصه ابن الراوندي للطعن في القرآن (271) ، ونقض الخياط «الدامغ» ، و «الفرند» (272) ولم يبق لنا من تلك المؤلفات سوى كتاب الخياط المعروف «الانتصار، والرد على ابن الراوندي الملحد» ، ونتف قليلة نقلها القاضي عبد الجبار في «المغني» (273) .
ويثور التساؤل عن سر لجوء هؤلاء الزنادقة للاستتار خلف مذهب المعتزلة دون غيرهم، وقد فسر بعض الباحثين ذلك بوجود مؤامرة كبرى في تلك الفترة من قِبَل الباطنية لتشويه صورة المعتزلة، الذين كانوا يمثلون العقبة الكأداء أمام هذا التيار الباطني في مهاجمة الإسلام، ومحاولة هدم ثوابته، واقتلاع جذوره، ويرجع أصحاب هذا الرأي كل ما لصق بالمعتزلة من تهم وأباطيل إلى دعايات الباطنية، وأما حقيقة مذهب الاعتزال فهو لا يفترق كثيرًا عن مذهب أهل السُّنَّة ولا عن الأشاعرة، والماتريدية، سوى خلافات فرعية لا تستدعي كل هذا النقاش الطويل الذي دار على مدار تاريخ الفكر الإسلامي، وقد أقام أحد الدارسين أطروحة علمية في كلية دار العلوم على أساس تلك الفكرة (274) .
وفي ظني أن المسألة ليست بكل هذا القدر من التبسيط، وثمة تفسير آخر أقرب للقبول، ويتلخص في سمتين واضحتين في الفكر الاعتزالي: