فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 584

هشام (683) ، ومع الإقرار بنبل الدافع وحسن المقصد، إلَّا أنه ليس مبررًا بحال لإنكار حقائق ثبتت بصورة قطعية، وهناك سبل أخرى متعددة لتبرئة الصحابة مما طُعن به عليهم، ولا تحتاج إلى هذه الطريقة الشائكة، ومن المعلوم أن الغاية الحسنة لا يوصل إليها إلَّا بوسيلة صحيحة سليمة.

وباستثناء الأقوال السابقة، والمنسوبة لأربعة نفر من المعتزلة، فإن بقيتهم يقرون بحجية المتواتر وإفادته للعلم، وإن اختلفوا في نوعية العلم المستفاد منه، فجمهورهم يرى أنه علم ضروري، وممن قال بذلك: أبو علي، وأبو هاشم الجبائيان (684) ، والقاضي عبد الجبار (685) ، وخالف أبو القاسم البلخي (686) ، وأبو الحسين البصري (687) ، وذهبَا إلى أنه علم مكتسب، وهو خلاف فرعي لا يخدش في الموقف العام من إثبات حجية المتواتر، والاحتجاج به.

ولكن المشكلة الحقيقية، والتي انبثق عنها الخلاف بين المعتزلة وغيرهم من أهل السُّنَّة، أو الأشاعرة، هي الجانب التطبيقي؛ وأعني بذلك الحكم على الحديث المعين بأنه متواتر، أو غير متواتر، فكم من أحاديث عدَّها غير المعتزلة من المتواتر، بل من أعلى درجاته، ونازع المعتزلة في ثبوت تواترها، وحكموا عليها بالضعف، أو على أحسن الأحوال بأنها صحيحة أحادية، وكان الدافع وراء ذلك مخالفة ظواهر تلك الأحاديث للمذهب وآرائه، وهناك أمثلة عديدة على هذا المسلك (688) ، نكتفي بذكر بعض منها.

ورد في عشرات الأحاديث أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، عيانًا بيانًا، لا يضامون في رؤيته، وجاءت تلك النصوص بعبارات صريحة واضحة لا تحتمل تأويلًا ولا صرفًا لظواهر معانيها، ونص جمع كبير من أهل العلم على تواترها؛ كالآجري (689) ، واللالكائي (690) ، وابن تيميَّة (691) ، وابن القيم (692) ، وابن أبي العز الحنفي (693) ، والكتاني (694) ، وعدد من أئمة الأشاعرة (695) ، حيث رُويت أحاديث الرؤية عن قريب من ثلاثين صحابيًّا، وهي مثال لما يُعرف بالمتواتر المعنوي.

وأما المعتزلة فموقفهم من الرؤية معروف؛ إذ يؤدي إثباتها -عندهم- إلى الوقوع في التشبيه والتجسيم؛ لأن المرئي هو الأجسام فحسب، ووصف الله بصفة الرؤية يجعله -سبحانه-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت