كالأجسام (696) ، وذهب بعضهم إلى أقصى درجات الغلو، فكفَّر مثبت الرؤية، وعدَّه حشويًّا مشبهًا، يصف الله بنعوت المخلوقات وسمات الحدوث (697) ، لكن القاضي عبد الجبار قاوم هذا الاتجاه، ونصَّ بوضوح على أن مخالف المعتزلة في هذه المسألة لا يكفر، وإن كان مبتدعًا مخالفًا للوازم التوحيد (698) .
وقد واجهت المعتزلة مشكلة هذا العدد الكبير من الأحاديث صريحة الألفاظ وواضحة المعاني، والتي تحتاج إلى طريقة في التعامل معها؛ بحيث تتوافق مع رأي المذهب ولا تتعارض معه، وكان لهم ثلاثة سبل في ذلك، وهي: تضعيف الأحاديث، أو الحكم عليها بأنها آحاد، وأخيرًا تأويلها، وممن جمع بين هذه الأمور الثلاثة الصاحب بن عباد (ت 385 هـ) الذي علَّق على أحد الأحاديث الواردة في الرؤية فقال: «والحديث المروي: (( إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ) )خبر واحد، وقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب العلم، هذا وفي إسناده ضعف، ولو صح لكان تأويله سائغًا» (699) .
وسيرد في المبحث القادم تحقيق القول في دعوى الإجماع على ظنية أخبار الآحاد، وأما الحكم على إسناد الحديث بالضعف، فيكفى أن نذكر وروده في الصحيحين، وحتى لو ثبت ضعفه، فأين عشرات الأحاديث الأخرى الواردة في نفس المعنى؟
وأما القاضي عبد الجبار فقد سلك مسلكًا غريبًا في تضعيف أحاديث الرؤية، فقال: «ومما يتعلقون به أخبار مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وأكثرها يتضمن الجبر والتشبيه، فيجب القطع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقله، وإن قاله فإنه حكاية عن قوم، والراوي حذف الحكاية ونقل الخبر» (700) وهكذا يشكك في ضبط الرواة، ويأتي باحتمال في غاية البعد، فمن الذي حكى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عقديًّا كهذا؟ ومنذ متى كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن فرد -أيا كان منزلته- أمورًا شرعية؟!
وأحيانًا أخرى يحكم القاضي على الأحاديث بأنها أخبار آحاد لا يصح الاستدلال بها في مسائل العقيدة، وينسى ما قرره هو نفسه من أن أخبار الآحاد إذا تتابعت على إثبات معنى مشترك بين المرويات حُكم عليها بالتواتر المعنوي.