وتبدو الميزة الأساسية لتقسيم ابن تيميَّة في محاولته الخروج من علاقة التضاد والتعارض المفترضة بين العقل والنقل، وتصوير الصلة بينهما بأسلوب (إما كذا - وإما كذا) فيأتي هذا التقسيم ليتخلص من هذا الخصام المفتعل بين الدليلين، ويدرج العقل تحت مفهوم الشرع، ويطويه تحت جناحه، بما لا يدع مجالًا لمن يدعي التعارض بينهما، أو يبحث عن تقديم أحدهما على الآخر، ولعل هذا النمط من إعادة تكييف العلاقة بين النقل والعقل، وجعلهما تحت مظلة مشتركة أوسع -وهي الدليل الشرعي- كان كفيلًا -لو قُدِّرَ له الشيوع والانتشار- بحل جزء كبير من تلك المشكلة الزائفة، والقائمة على غير أساس صحيح (77) .
ونخلص مما تقدم إلى أن الاتجاه السائد عند المعتزلة والأشاعرة هو تقسيم الدليل إلى نقلي وعقلي، وهو الذي سوف نسير عليه فيما يأتي، محاولين التعرف على المراد بكلٍّ منهما: الدليل النقلي لأنه مقصد الرسالة ومحط اهتمامها بالدرجة الأولى، والدليل العقلي لقوة الارتباط، وعمق التلازم، والتأثير المتبادل بينه وبين الدليل النقلي، ونظرًا لتشكل مواقف كثير من المتكلمين، وطريقة تعاملهم مع السمع في ضوء علاقته بالعقل ومقرراته، وفاقًا أو خلافًا.
وهذا الدليل -كما هو واضح من اسمه- مضاف إلى النقل، مما يستلزم أن نتعرف على معنى النقل أولًا؛ لأن المركب الوصفي أو الإضافي لا يتضح معناه تمامًا إلَّا بمعرفة المراد من جُزْأَيْهِ، وقد تقدم تعريف الدليل، وبقي لنا أن نبين مفهوم النقل لغةً واصطلاحًا.
والنقل في اللغة مصدر للفعل «نقل» ، وأصل المادة «يدلُّ على تحويل شيء من مكان إلى مكان» (78) .
وفي الاصطلاح يطلق على «ما عُلِمَ من طريق الرواية أو السماع؛ كعلم اللغة أو الحديث ونحوهما، وهو يقابل المعقول» (79) ، والصلة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي واضحة، فعملية النقل تقتضي تحول الخبر وانتقاله من راوٍ لآخر، ومن جيل إلى الذي يليه عبر مراحل زمنية، وسلاسل إسنادية متتابعة.