وللنقل مكانة كبرى في الإسلام، فأصلا هذا الدين الأساسيان -وهما القرآن والسُّنَّة- وصلا إلينا عن طريق النقل والرواية، وكل العلوم التي قامت خلال المسيرة الفكرية للمسلمين كانت لخدمة الدليل النقلي الأول -وهو القرآن- بطريقة أو بأخرى، فهي «إما متعلقة بالنقل، أو فهم المنقول، أو تقريره وتشييده بالأدلة، أو استخراج الأحكام المستنبطة» (80) ، وكل من يحاول إقامة تصنيف أو منظومة متكاملة للعلوم الإسلامية، فسوف يجد أنها جميعًا ترجع إلى النقل في نهاية المطاف (81) ، إما ابتداءً وأما تفريعًا وأما غاية وهدفًا.
ولا يقتصر الأمر على الإسلام وحده من بين الأديان الأخرى، فالنقل أو «الوحي» يعتبر المصدر المعرفي الأول لكل فكر ديني (82) ، وإن انفرد الإسلام بأن النقل فيه توفرت الدواعي على بلوغه أقصى درجات الوثاقة واليقين في مصدريه الرئيسيين: الكتاب والسُّنَّة، وأما سائر الأديان الأخرى فنقلها دائر بين انقطاع الأسانيد وتناقض المتون (83) .
ويُعَبَّرُ عن الدليل النقلي أحيانًا بالدليل السمعي أو الشرعي (84) ، والظاهر أنه لا فرق بين تلك المصطلحات في الاستعمال الكلامي، وإن كان هناك مَن يُفضِّل «إفراد مصطلح النقل بمنهج الاتصال المعرفي في أجيال الإسلام المتعاقبة، فهو ليس مجرد نقل، وإنما هو نقل مضبوط له أصوله وقواعده، وتأسست عليه علوم إسلامية عديدة؛ كعلوم الحديث، والتفسير، والفقه، وغيرها» (85) .
كما نَبَّه ابن تيميَّة إلى ما يمكن أن يترتب على قصر مصطلح الدليل الشرعي على الدليل النقلي وحده فحسب من آثار غير محمودة؛ إذ ربما سبَّب ذلك نوعًا من الإيهام غير الصحيح؛ حيث يوحي بأن الأدلة العقلية ليست شرعية، أو هي نظير وضد للأدلة الشرعية (86) ، مع أن المسألة ليست بهذه الصورة، والدليل العقلي الصحيح القائم على مقدمات ثابتة وقطعية حجة من الحجج التي نصبها الله سبحانه لهداية العباد وإرشادهم.
وقد أشار بعض المستشرقين إلى تفضيل متأخري الأشاعرة لمصطلح «الدليل النقلي» دون ما سواه، واسْتُخلص من ذلك أن إحلال مفهوم النقل المجرد محل السمع مما يضعف قيمة الدليل الإثباتية في المسلك الأشعري (87) ، ويبدو هذا التعليل مفتقرًا إلى الشواهد التي تؤيده، وسيرد في