ثنايا البحث -إن شاء الله تعالى- نماذج عديدة لاستخدام مصطلح الدليل السمعي عند متأخري الأشاعرة دون أدنى فرق بينه وبين الدليل النقلي أو الشرعي.
وقد عُرِّف الدليل النقلي بتعريفات متعددة، تارة ببيان أقسامه فيُعَرَّف بأنه «الكتاب والسُّنَّة» (88) ، وتارة ببيان حدِّه فيُعرَّف بأنه «ما يدل بطريق المواضعة على دلالته» (89) ، أو بأنه «الدليل اللفظي المسموع» (90) .
وتبرز في كثير من تلك التعريفات فكرة المواضعة في الدليل النقلي؛ حيث يتكون من ألفاظ تدل على أمر معين بفعل ناصب لتلك الدلالة، ويطول المجال بذكر تلك التعريفات تفصيلًا (91) .
ونستطيع أن نصوغ من بينها تعريفًا يبدو أقرب إلى الصواب، فيعرَّف الدليل النقلي بأنه «الدليل المنقول عمن يحتج بكلامه» ، وضابطه الأساسي هو أن يرد إلينا عن طريق النقل والرواية منسوبًا إلى مَن كلامه حجة واجبة الاتباع، فيدخل في ذلك القرآن لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، والسُّنَّة لأنها كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع لأنه كلام الأمة المعصومة في مجموعها، وسيرد الكلام عن حجية الإجماع فيما بعد، وأما دخول أقوال الصحابة في التعريف أو عدم دخولها، فمبني على مدى حجية أقوالهم، وسوف يُفْرَدُ للكلام عنها فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
وأكثر متكلمي المعتزلة والأشاعرة على حصر الدليل النقلي في أقسام ثلاثة؛ وهي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع (92) ، وهذا التقسيم هو الذي سارت عليه هذه الدراسة، وإنما أضفنا أقوال الصحابة لأن رجال كلا المذهبين ربما استدلوا بها، أو ردوا على تمسك خصومهم بمضمونها مما يستدعي معرفة موقفهم من مدى حجيتها ودرجة الاعتماد عليها.
ومن جهة أخرى، فإن الدليل النقلي عند المتكلمين والأصوليين ينقسم من حيث القطعية والظنية إلى أربعة أقسام (93) :
(أ) قطعي الثبوت والدلالة.
(ب) قطعي الثبوت، وظني الدلالة.