المبحث الأول
مفهوم الإجماع ومدى حجيته بين المعتزلة والأشاعرة
ليس ثمة دليل من الأدلة النقلية دار حوله جدال واختلاف وتباين في الآراء مثلما حدث مع الإجماع، والذي اخْتُلف في جُلِّ -إن لم يكن في كل- مسائله وتفصيلاته (930) ؛ حيث تعددت الاتجاهات في تحديد مفهومه، وإمكانية وقوعه عقلًا وعادةً، وجواز العلم به، والاطلاع عليه ونقله، ثم هل هو حجة شرعية واجبة الاتباع؟ وحظ تلك الحجية من القطعية أو الظنية، وأنواع الإجماع وما يمكن أن يقع عليه بالفعل، أفي العلميات والعمليات أو في بعضها دون الآخر؟ وغير ذلك من عشرات المسائل على المستوى النظري فضلًا عن الخلاف التفصيلي الجزئي في إثبات وقوع الإجماع على مسألة معينة، فربما حكاه فريق أو مذهب وأثبت حصوله، بينما يشكك خصمه في ذلك الإجماع المدَّعَى؛ بل في صحة المسألة ذاتها.
ولا يخفى أن تفصيل تلك المسائل المتعددة يُخرج البحث عن صميم مقصوده، وقد تكفلت الدراسات المتخصصة ببيان هذه المسائل بإسهاب وتوسع، وهي -بحمد الله- كثيرة ومتنوعة (931) ، وإنما يعنينا في هذا الفصل رصد الموقفين الاعتزالي والأشعري من حجية الإجماع بصفة عامة، وبصورة أكثر تحديدًا بيان موقفهما من حجية الاستدلال به على المسائل العقدية.
ومع أن هذه الجزئية فحسب هي ما نبغيه في المقام الأول، إلَّا أنه يصعب استخلاصها بدقة ووضوح كافيين دون التعرض لعدد من المسائل التي يتعين معرفة موقف المذهبين منها، كما تعد مدخلًا ضروريًّا ومقدمات لازمة لا غنى عنها في تجلية نظرتهما لهذا الدليل، ومدى حجيته، ونوعية المسائل التي يمكن له أن يثبتها.
وقد أشار إمام معتزلي وآخر أشعري إلى أهمية البحث في عدد من هذه المسائل قبل النظر في إثبات حجية الإجماع من عدمها، فقال القاضي عبد الجبار: «اعلم أنه لا يصح إقامة الدلالة على أنه حجة إلَّا وقد عرف صورته» (932) .