فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 584

المبحث الثاني

تقديم العقل على النقل

يمثل الاعتداد بالعقل، والوثوق ببراهينه وأدلته طابعًا عامًّا لدى سائر المدارس الكلامية (1672) ، وعلى رأسها المدرستان اللتان معنا؛ وهما: المعتزلة والأشاعرة، فلا خلاف بين الجميع على أن الدليل العقلي حجة مقبولة، وطريق موصل لإثبات مسائل العقيدة وأصولها، وأن المعارف الكلامية تُستمد من العقل والنقل معًا؛ بل وصل الحال بكثير منهم إلى قصر أهم أنواعها على الدليل العقلي وحده، كما رأينا في الكلام عن فكرة الدور.

ولم يتوقف الأمر عند المدرستين على الاعتراف بحجية النظر العقلي وإمكانية التعويل عليه فحسب؛ بل ذهبتا إلى أن النظر واجب مؤكد، لا يجوز للمكلف تركه أو الإعراض عنه، كما لا يصح الاكتفاء ببديل آخر سواه للوصول إلى المعرفة كالتقليد أو الإلهام (1673) ، وهو ليس واجبًا عاديًَّا، وإنما أول الواجبات وأهمها.

ومضى المعتزلة إلى مدًى أبعد، فأوجبوا على الله سبحانه وتعالى إيجاب النظر على المكلف متى جعله على صفة يحسن معها أن ينظر ويفكر (1674) ، وقد حكى الآمدي (1675) والإيجي (1676) إجماع المذهبين على القول بوجوب النظر مع اختلافٍ غير مؤثر في مدركه، هل هو عقلي أو شرعي؟ فذهب المعتزلة إلى القول الأول، ومال الأشاعرة إلى كونه شرعيًّا.

وربما كان في القول بالوجوب الشرعي إعلاءٌ من قيمة النظر، وإسباغٌ لثوب الشرعية عليه أكثر من القول بالوجوب العقلي؛ حيث تأكد من جهتين: النقل والعقل، لا من جهة واحدة؛ وهي العقل فقط (1677) .

وجُلُّ مَنْ عدَّد مصادر الأدلة من أئمة الأشاعرة، ابتداءً من أبي الحسن، ومرورًا بالباقلاني ومن بعده، ذكروا العقل من بينها أو وضعوه على رأسها، والحال كذلك عند المعتزلة، وإمامهم واصل هو أول من قال بحجية العقل، مع نوع تفاوت عندهم في ترتيب مكان النقل، وهل يُذكر أولًا قبل العقل، أو يرد في مؤخرة القائمة؟ كما اشترك رجال المدرستين في عقد مباحث مستقلة لرد اعتراضات المشككين في وجوب النظر العقلي أو حجيته، سواء أتت هذه الأفكار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت