التكليف بها أشد صعوبة من تكليف المعتوه والمجنون ممن لا عقل له يصدق أو يكذب، ولما كان التكليف عنهما ساقطًا فهو عن العاقل فيما يتعارض مع العقول الصحيحة من باب أولى، وذلك منافٍ للعمل بمقتضى الشريعة، فما يؤدي إليه وهو كونها منافية للعقول باطل أيضًا.
4 -لو تعارضت الأدلة الشرعية مع العقل لكان الكفار أول من ردَّها لحرصهم الشديد على إبطال ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا يفترون عليه وعلى رسالته، فكانوا يقولون: ساحر ومجنون وشاعر، كما افتروا على القرآن وقالوا: إنه سحر، وشعر، وافتراء، وإنما يعلمه بشر، وإنه أساطير الأولين، وغير ذلك الكثير، ولو كان مخالفًا لقضايا العقول لقالوا: إنه لا يُعقل؛ بل هو متعارض ومتناقض، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، مما يقطع باستحالة اشتمال النقل على ما يحكم العقل بفساده أو بطلانه.
وهكذا أقرَّ أئمة المعتزلة والأشاعرة وسائر المسلمين، بامتناع تعارض النقل مع العقل في نفس الأمر؛ لكن رجال المدرستين -من ناحية أخرى- جوَّزوا وقوع نوع من التعارض الظاهري بين ما يُفهم من النصوص الشرعية والأدلة العقلية، وبناءً على هذا التجويز بدءوا في البحث عن مخرج، وظهرت فكرة تقديم العقل على النقل بكل ما أنتجته من آثار بالغة على الاحتجاج بالأدلة السمعية، مما يدعونا إلى تتبع مراحل نشأة وتطور تلك الفكرة، وموقف المدرستين تجاهها.