ويتابعه تلميذه ابن العربي مؤكدًا أن العقل والشرع أخوان لا يتعارضان، وأحكام العقل ثلاثة: واجب، وجائز، ومحال، أما ما يتعلق بالواجبات العقلية والمستحيلات فإن الشرعَ لا يتعرض لهما، ولم يكن من مقاصده الإبانة عن المحالات، وإنما جاء الدين ليعين من بين الممكنات العقلية ما لا يستقل العقل بالحكم عليه، وبتعيينه من الأحكام التكليفية الابتلائية، ومن المعاني التي لا يتوصل إليها العقل بمجرده، وليس في كتاب الله، ولا حديث النبي صلى الله عليه وسلم كلمة يردُّها العقل، أو يخالفها في شقِّ أنملة، حتى يفتقر إلى التمييز بينهما والفصل بين حقائقهما (1669) .
ومن خارج نطاق المدرستين نجد اهتمامًا كبيرًا بهذه المسألة عند عددٍ من أهل العلم؛ كابن تيمية في كتابه الضخم «درء تعارض العقل والنقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» الذي خصصه لهذا الموضوع، ويكفي عنوانه في التعبير عن رأي مؤلفه، وقد قام تلميذه ابن القيم بتلخيص آرائه، وزاد عليها في كتابه «الصواعق المرسلة» ، ولابن الوزير اليمني عناية بهذه القضية في كتابه «إيثار الحق على الخلق» (1670) ، كما أن الشاطبي ساق عددًا من الحجج التي تقطع باستحالة تعارض النقل والعقل في كتابه الفذ «الموافقات» ومن أهمها (1671) :
1 -الأدلة الشرعية أدلة للعباد على الأحكام، وقد وضعها الشارع للدلالة على ذلك؛ لتتلقاها عقول المكلفين، وليعملوا بمقتضاها، فإذا نافت قضايا العقول لم تكن أدلة للعباد على الأحكام، ولم تتلقها العقول، فضلًا عن أن تعمل بمقتضاها؛ لكنها أدلة باتفاق العقلاء، فدلَّ على أنها جارية على قضايا العقول غير منافية لها، ويستوي في هذا الأدلة المنصوبة على الأحكام الإلهية والتكليفية.
2 -لو نافت الأدلة الشرعية قضايا العقول، وتناقضت معها، لصار التكليف بمقتضاها تكليفًا بما لا يُطاق؛ حيث يؤمر المكلف بالإقرار والتصديق بصحتها، وعقله يأبى ذلك ولا يتصوره؛ بل يتصور خلافه، وهذا مما يستحيل وجود مثله في الشريعة.
3 -مورد التكليف هو العقل، وقد ثبت ذلك بالاستقراء التام، حتى إذا فُقد العقل ارتفع التكليف رأسًا، ولا بد من تمكين المكلف من التصديق بالأدلة التي أمر بالعمل والانقياد لها، ولا يتسنَّى ذلك إلَّا إذا كانت صالحة للتصديق، بألا تتنافى مع قضايا العقول، فإن تنافت كان