فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 584

وقد أقرَّ المعتزلة والأشاعرة بالحقائق المتقدمة على المستوى النظري، فالنقل عندهم لا يمكن أن يتعارض مع الأدلة العقلية، ويعلل المعتزلة ذلك بأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل فلا يجوز فيهما التناقض (1660) ، ومن ثَمَّ فالعقليات ألطاف في الشرعيات (1661) ، ويذكر يحيى بن الحسين أن حجج الله على الخلق يؤكد بعضها بعضًا، ولا يبطل شيء منها شيئًا، ويشهد ناطقها من القرآن لمستجن مركبها في الإنسان، ويشهد عقل الإنسان لنواطق حجج القرآن، وكذلك ما نطق به الرسول يشهد له القرآن والعقول (1662) .

وجعل بعض المعتزلة توافق القرآن مع أدلة العقول أحد وجوه إعجازه (1663) ، واستفاضوا في بيان اشتماله على البراهين العقلية بما يفوق سائر أدلة المتكلمين (1664) ، كما ردوا بشدة على البراهمة وغيرهم ممن زعموا أن بعثة الرسل تُخالف العقول، وأن الشرائع التي معهم تتضمن ما يتعارض مع العقل، مقررين أن ورود الشرائع والمصالح أشد مطابقة لما في عقله، ومناسبة لما يرد على المكلف من اختلاف الأمور التي تختلف بالعادات والتجارب (1665) .

أما من زعموا أن ظاهر القرآن يمكن أن يرد بخلاف ما تقرر في العقل أو يناقضه، فيرد عليهم القاضي عبد الجبار بأن الأمر بالضد، «وليس في القرآن إلَّا ما يوافق طريقة العقل، ولو جعل ذلك دلالةً على أنه من عند الله تعالى من حيث لا يوجد في أدلته إلَّا ما يسلم على طريقة العقول ويوافقها، إما على جهة الحقيقة، أو على المجاز لكان أقرب» (1666) .

ونجد نفس الموقف عند الأشاعرة، فالشرع عند الجويني يرشد إلى ما لا يُستدرك بمحض العقول، ولا يرد بما يقضي العقل بخلافه؛ لأن حجج الله تتعاضد ولا تتعارض، فلا يتصور ورود دليل سمعي قطعي مخالف لقضية العقل (1667) .

وينفي الغزالي اشتمال السمع على قاطع مخالف للعقول، ويمدح الطائفة الجامعة بين مقتضيات الشرائع وموجبات العقول والذين تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، ثم يحكم بالخطأ ومجانبة الصواب على من لم يأخذ بالدليلين معًا مكتفيًا بأحدهما؛ كالحشوية المقتصرين على النقل فحسب، أو الفلاسفة وغُلاة المعتزلة المعوِّلين على العقل فحسب، فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط (1668) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت