عُني المتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة- عناية بالغة بتتبع أقوال الملاحدة والزنادقة، والرد على مطاعنهم حول الإسلام عمومًا، والقرآن خصوصًا، وأفردوا لها جانبًا كبيرًا من مصنفاتهم، وجهودهم العلمية من مناظرات ومحاورات، وكانت تلك الظاهرة أحد أبرز الأسباب التي أسهمت في نشأة علم الكلام، أثناء بواكيره الأولى (238) .
كما كان لظاهرة الزندقة وجهود المتكلمين في الرد عليها أعمق الأثر في توجيه علم الكلام وجهة خاصة في التعامل مع الدليل النقلي؛ إذ صار لدى المتكلمين ما يشبه الهاجس الملح، والمتمثل في طبيعة الخصم الذي سيواجهونه، فهو غير معتنق للإسلام، وغير مصدِّق بعقائده وكتابه؛ ومن ثم فلا يصح -من وجهة نظرهم- أن يُحاجج بأدلة نقلية، ثم هو متسلح بسلاح الفلسفة، وما ورثه من حضاراته البائدة، مما يستوجب أن يواجَه بنفس سلاحه.
وهكذا شُغل المتكلمون بمجادلة الخصوم والرد عليهم «وكل مجادلة نوع من النزال، والمحارب مأخوذ بطريقة محاربه في القتال، متقيد بأسلحته، متعرف لخططه، دارس لمراميه، وكل ذلك من شأنه أن يجعل الخصم متأثرًا بخصمه، آخذًا عنه بعض مناهجه» (239) ، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث اقترب علم الكلام شيئًا فشيئًا من الفلسفة، وعلوم الأوائل، حتى صار من العسير الفصل بين العلمين في المراحل المتأخرة كما ذكر ابن خلدون (240) ، إضافة للتأثير الواضح في طريقه الصياغة للمسائل الكلامية، التي أضحت تُكتب وفي نفوس أصحابها أساس راسخ، يستلزم إثبات مسائل العقيدة على افتراض أن المخاطب ليس مصدقًا بالقرآن ولا بالإسلام، فلا بد من بناء الأدلة على نمط عقلي لا دخل للنقل فيه، أو على أحسن الأحوال يأتي في المرتبة الثانية للتأكيد والتعضيد.
وقد دار حديث طويل حول ظاهرة الزندقة؛ من حيث المفهوم والنشأة والتطور، والظروف التي أدت إلى وجودها، وعلاقتها بالأديان الأخرى، ومن هم الزنادقة الحقيقيون الذين ظهروا في المجتمع الإسلامي، وتصدى لهم العلماء مناظرة وردًّا، وتعقبهم الخلفاء سجنًا وقتلًا (241) ، والذي يعنينا هنا أن الوصف بالزندقة قد أطلق على عدة أصناف، منهم: شعراء المجون والخلاعة، الذين جمعوا بين التهتك والفجور، والطعن في صميم الدين وأصوله (242) ، وأتباع