يستعرض هذا الفصل الموقف الاعتزالي والأشعري من حجية الدليل النقلي الثاني «السُّنَّة النبوية» والتي تمثل مع القرآن الأصلين الرئيسيين لهذا الدين، فمنهما تنبثق سائر المصادر الشرعية، وإلى نصوصهما ترجع بطريقة أو بأخرى، وسوف يتم تناول هذا الدليل من خلال ثلاثة محاور، يشغل كل محور منها مبحثًا، تحاول أن تستوعب ما أمكن الموضوع من جوانبه الأساسية، لنخرج من ثنايا ذلك كله بصورة واضحة ومفصَّلة لحقيقة اعتداد المذهبين بالسُّنَّة نظريًّا وتطبيقيًّا، وحجم الحيز الذي شغلته من مجال استدلالهم على المسائل العقدية.
ويلاحظ أنه بينما كانت دائرة الخلاف بين المذهبين -بل بين سائر المسلمين- فيما يتعلق بحجية القرآن ضئيلة أو شبه معدومة، فإن تلك الدائرة اتسعت نوعًا ما فيما يتعلق بالسُّنَّة، نظرًا لقطعية ورود النص القرآني جملةً وتفصيلًا، بما توافر له من النقل المتواتر المفيد للعلم الضروري، وأما السُّنَّة فقد روي جلها عن طريق الآحاد، والذي تفاوتت أنظار المتكلمين في قبوله والتعامل معه؛ مما زاد من درجة النزاع في الاحتجاج بكثير من أحاديثها، ولم يكن نزاعًا في فهم النص أو دلالته فحسب، كما حدث لبعض النصوص القرآنية، وإنما كان نزاعًا في صحة النص وثبوته، ولذا فإن جُلَّ ما دار من إشكال حول حجية السُّنَّة لم يكن في حقيقة الأمر خلافًا في حجيتها ذاتها، وإنما في طريقة نقلها، وصحة نسبتها إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ولعل بإمكاننا -ولو على المستوى النظري- أن نفرق بين إثبات حجية السُّنَّة، من حيث هي كلام المعصوم الواجب الاتباع، وبين طريقة ورودها المتمثلة في الأخبار المتواترة أو الآحاد، وإن كان الواقع من الناحية العملية يستوجب نوعًا من التلازم بين الأمرين، ويجعل الإقرار بحجية السُّنَّة، مع التشكيك في طريقة نقلها بمثابة تفريغ حقيقي للاعتراف بحجيتها، ونفيًا للفائدة المرجوة من الانتفاع وتحصيل الهداية بما فيها.
وبناء على التفريق النظري المشار إليه سنخصص مبحثًا لدراسة الموقف الاعتزالي والأشعري من حجية السُّنَّة في ذاتها، ثم مبحثين لدراسة طريقة نقلها؛ أحدهما للمتواتر والآخر للآحاد.