فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 584

ومع أن أئمة المذاهب الفقهية الأربعة وجمهور الأصوليين -ومن بينهم متكلمو المعتزلة والأشاعرة- جَوَّزوا وقوع التعارض بين الأدلة النقلية الظنية، إلَّا أنهم قصروا ذلك على الدلالات الظاهرة فحسب، أما في الواقع ونفس الأمر فيمتنع باتفاق الجميع أن توجد آيتان أو «حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدها ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلَّا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع» (1654) .

ونخلص مما سبق: إلى أن المعتزلة والأشاعرة موافقون لسائر الأمة في امتناع وقوع التعارض بين الأدلة العقلية القطعية، أو بين الأدلة النقلية القطعية، أو حتى بين الظني منها في نفس الأمر؛ لأن هذه الأدلة من حجج الله التي نصبها لعباده، ولا يُتصور أن تتعاند أو تتناقض؛ بل لا بد من توافقها وتواؤمها لتُناسب الغرض الذي سيقت من أجله؛ وهو هداية المكلفين وإرشادهم.

ولا شك أن هذا الاستدلال كما يقطع باستحالة تناقض الأدلة العقلية مع بعضها البعض، أو الأدلة النقلية مع مثيلاتها، فإنه يتنزل أيضًا على تعارض الأدلة النقلية مع الأدلة العقلية، فهل سلك أئمة المدرستين نفس الموقف معها، أم كان لهم رأي مخالف؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في المسألة التالية:

لم يقل أحد من المسلمين بجواز وقوع التعارض الحقيقي بين دليل نقلي وآخر عقلي، كأن يرد النقل الصحيح الصريح بإثبات شيء، ثم يحكم العقل السليم بنفيه واستحالة حدوثه، لما يترتب على ذلك من نسبة ما وضعه الله من طرق الهداية إلى التناقض والاختلاف، فالله سبحانه وتعالى أنزل الشرع ووهب للمكلفين العقل رحمة بهم، وهداية لهم إلى مصالح دينهم ودنياهم، ولا يمكن لهم أن يستغنوا عن أيٍّ منهما، فالإنسان بدون عقل لا يفترق كثيرًا في سلوكه وتصرفاته عن البهائم العجماوات، وبدون شرعٍ سوف يظل هائمًا في أودية الضلال، بعيدًا عن خالقه، وما أمره به من تكاليف وواجبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت