فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 584

متكلمه؛ حيث ينسى ما قرره في مكان، ويثبت ما يتعارض معه في موضع آخر، وبإجماع المسلمين فالله سبحانه متعالٍ ومنزهٌ عن هذا كله.

ولا خلاف بين المعتزلة والأشاعرة على استحالة التعارض أو التضاد بين الأدلة النقلية القطعية، وللقاضي عبد الجبار في كتابه «المغني» فصول مطولة في الردِّ على من زعم أن في القرآن شيئًا من التناقض أو الاختلاف، كما يمثل كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن» محاولة تفصيلية للإجابة عن كل ما يُظن به التناقض من النصوص.

وحكى الباقلاني اتفاق الأمة على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، مؤكدًا أن «كل خبرين عُلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلم بهما فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كانا ظاهرًا متعارضين» ثم أشار إلى أن معنى التعارض يُقصد به أن يكون موجب أحدهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يُبطل التكليف إن كان أمرًا ونهيًا، وإباحةً وحظرًا، أو يجب كون أحدهما صدقًا والآخر كذبًا إن كان خبرًا، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكلِّ مثبت للنبوة (1652) .

أما وقوع التعارض الظاهري بين دليلين نقليين ظنيين فممكن لعدة أسباب (1653) ، منها: ما يوجد بين آي القرآن ونصوص السُّنَّة من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، يظنه البعض تعارضًا، كذلك عدم العلم الكافي بلغة العرب واستعمالاتها المتنوعة، ووجود عدد كبير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي افتراها الزنادقة كيدًا للإسلام، ويتعارض مضمونها مع الأحاديث الثابتة.

وأيضًا ما يكون بين بعض النصوص من نسخ ويجهل البعض الدلالة عليه فيظنه تعارضًا، وما يحدث من تنزيل كلام الشارع على الاصطلاحات التي أحدثها أرباب العلوم من الأصوليين والفقهاء، فيأتي من لم يعرف غير تلك المعاني الاصطلاحية فيسمع كلام الشارع، فيحمله على ما ألِفه، وهنا يقع الخلط ويُتوهم التعارض، وغير ذلك من الأسباب التي لا ترجع إلى سبب ذاتي في النصوص نفسها؛ وإنما تعود إلى فهم الناظر في الدليل ودرجة علمه واطلاعه، وإدراكه لقواعد التعامل مع أدلة الشرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت