أما تعارض دليلين عقليين قطعيين، فقد اتفقت كلمة المتكلمين جميعًا على امتناعه، كما نص على ذلك الإسنوي (1646) ، والآمدي (1647) ، وذكر ابن الحاجب (1648) أن تقابل الدليلين العقليين القطعيين محال قطعًا باتفاق العقلاء؛ لأن الدليل القطعي العقلي ما يرتبط به مدلوله ارتباطًا عقليًّا، وما كان هذا حاله فمحال أن يوجد معارض له موصوف بصفة القطعية.
وزاد الرازي الأمر تفصيلًا، فاشترط في الدليل العقلي القطعي أن يكون مُركبًا من مقدمات ضرورية أو لازمة عنها لزومًا ضروريًّا، إما بواسطة واحدة، وإما بوسائط كل منها كذلك، وهذا لا يتأتى إلَّا عند اجتماع علوم أربعة؛ وهي: العلم الضروري بكون المقدمات حقيقية، والعلم الضروري بصحة تركيبها، ولزوم النتيجة عنها، وأن ما يلزم عن الضروري لزومًا ضروريًّا فهو ضروري، ولما كانت هذه العلوم الأربعة لا يمكن أن تجتمع في دليلين متعارضين لوجوب التلازم بين الأدلة العقلية ومدلولاتها، فإن تعارضها يكون ممتنعًا، ويستحيل أن يوجد دليلان عقليان قطعيان يُثبت أحدهما ما يقطع الآخر بكذبه (1649) .
(ب) التعارض بين دليلين نقليين:
وقد اتفقت الأمة على عدم جواز التعارض بين الأدلة النقلية القطعية؛ لما يلزم عنه من التناقض والاختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه؛ حيث قال: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] كما أمر سبحانه المسلمين إذا اختلفوا بالرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] ولو كان بين الأدلة الشرعية اختلاف لما حسن رد المتنازعين إلى شيء لا يرتفع به تنازعهم واختلافهم؛ بل يزيدهم حيرة واضطرابًا، وذلك مما تتنزه عنه الشريعة المحكمة (1650) .
وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة حيث قال: (( إن القرآن لم ينزل ليُكذِّب بعضه بعضًا؛ بل ليُصدِّق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فردوه على عالمه ) ) (1651) .
ثم إن وجود الاختلاف يطعن في علم وحكمة مُنزل القرآن سبحانه؛ لأن التناقض بين أجزاء الكلام الواحد ناشئ عن انعدام العلم والحكمة والخبرة، وعدم القدرة على البيان الواضح من