فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 584

المبحث الأول

إمكانية تعارض النقل والعقل

مدخل تاريخي للمشكلة

شُغل الفكر الإنساني عبر مراحل عديدة من تاريخه الطويل بقضية النقل والعقل وحدود العلاقة بينهما، ومحاولة إيجاد صيغة مُحكمة تضبط تلك العلاقة، وهل يمكن أن يتعارضا حقيقة، أو بحسب الفهم الظاهر، وما المسلك الواجب اتخاذه حينئذٍ.

ولا يخفى أن المقصود بالنقل هنا يختلف باختلاف الأديان، كما يتنوع من طائفة لأخرى؛ لكن القدر المشترك الذي يشمل الجميع هو وجود كتاب أو مجموعة نصوص وأقوال منقولة عمن كلامه حجة، وتتصف بالصدق والعصمة من وجهة نظر أصحابها.

وقد عاد بعض مؤرخي الملل والنحل في تأريخ المشكلة، وتحديد بداياتها الأولى إلى جذور بعيدة، حينما أرجعوا سبب أول شبهة ومعصية وقعت في الخليقة- وهي معصية إبليس عندما استكبر عن السجود لآدم عليه السلام- إلى الاستبداد بالرأي في مقابلة النص، واختيار الهوى في معارضة الأمر، وتقديم العقل والقياس على الحكم الثابت بالشرع (1615) ، ومن ثَمَّ يكون إبليس هو أول من استن تقديم العقل على النقل، مازجًا ذلك برفض النقل ورده، والطعن في حكمته وسداده، وتحكيم العقل فيما لا يصح أن يحكم فيه.

وربما اعتُرض على ذلك بأن إبليس لم يقدم العقل على النقل، وإنما قدَّم الهوى والرأي الفاسد؛ لكن حتى مع التسليم بمثل هذا الاحتمال، فإن اعتراضه صيغ في ظاهره بطريقة عقلية، فعندما أُمر بالسجود عارض الأمر بقياس عقلي مركب من مقدمتين حمليتين، ومضمونه: أنا خير من آدم؛ لأنني مخلوق من نار وهو مخلوق من طين، والنار أفضل من الطين، ولما كان الفاضل لا يسجد لمن دونه لم يصح أن أسجد لآدم.

ولا شكَّ أن قياسه لا يصح في ذاته، ولا يلزم من تفضيل مادة على أخرى تفضيل المخلوق منها على المخلوق من غيرها، ولله سبحانه وتعالى أن يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت