فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 584

غيرها، هذا إن ثبت أن النار أفضل من الطين، وفي ذلك نظر، وحتى لو صحَّ القياس فهو في مقابلة النص، وكل قياس ورد في مقابلة النص فهو فاسد غير مقبول.

وظلت المشكلة تستحوذ على اهتمام كثير من أصحاب الديانات السماوية ممن اشتمل دينهم على نص مقدَّسٍ واجبِ الاتِّباع، يعتقدون كماله وسلامته عن الخطأ والتناقض، وفي فترة لاحقة على عصر النبي وأتباعه الأوائل، ومع الاختلاط بأمم أخرى والاطلاع على ثقافات مغايرة -ولا سيما ما تعلق منها بالفلسفة والمعارف العقلية- يحس أصحاب هذا الدين بوجود تعارض بين ما يُفهم من كتابهم المقدس وما تلقوه من مقررات العقول، وعندئذٍ يبدءون في البحث عن حل أو مخرج، ودائمًا ما يكون على حساب النقل لا العقل؛ لاعتقاد الكثيرين أن أحكام العقل قطعية لا تقبل الخطأ، أما النقل فهو ألفاظ تحتمل التأويل، ويمكن صرفها عن ظواهرها.

والأمثلة في هذا الصدد كثيرة ومتنوعة؛ ففي اليهودية نجد فيلون السكندري (20 ق. م- 40 م) والذي اشتغل بالفلسفة اليونانية، وكانت فلسفته مزيجًا من أفكار الرواقية والأفلاطونية الفيثاغورثية المحدثة، وتعلم اللغة والشعر والتاريخ اليوناني، ثم سخَّر جهوده للتوفيق بين الكتاب المقدس وعادات اليهود من جهة، والآراء اليونانية -وخاصة فلسفة أفلاطون- من جهة أخرى، وفي سبيل تحقيق غرضه هذا لجأ إلى القول بأن جميع الحادثات والأخلاق والعقائد والشرائع المنصوص عليها في العهد القديم ذات معنيين: أحدهما مجازي، والآخر حرفي، وأنها ترمز إلى حقائق أخلاقية أو فلسفية، وبذلك استطاع الخروج من إشكال التعارض بين أي نص من نصوص التوراة وحقائق الفلسفة ومقرراتها، عن طريق تقديم العقل على ظواهر النصوص (1616) .

وقد تأثر بفيلون وشرحه الرمزي للكتاب المقدس رجال من فلاسفة اليهود الذين أتوا بعده، وكان لهم صلة وثيقة بالمسلمين؛ من أمثال سعديا بن يوسف الفيومي (69 - 331 هـ) ، وموسى بن ميمون الذي بلغ درجة كبيرة من الشهرة في الفكر اليهودي، حتى قيل: «من موسى لم يقم مثل موسى» أي: من موسى عليه السلام لم يقم مثل موسى بن ميمون (1617) .

وفي النصرانية نجد نماذج مشابهة، حاول أصحابها التوفيق بين نصوص العهدين القديم والجديد والمعارف الفلسفية؛ ومن هؤلاء كلمانت الإسكندري (150 - 213 م) وكان معجبًا بآراء أفلاطون، وفيلون اليهودي. ويوحنا الدمشقي (674 - 749 م) -آخر الفلاسفة الآباء المسيحيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت