الإغريق، ولعل من أشهرهم توماس الإكويني، الذي اهتم بقضية التوفيق بين العقل والوحي -أو الإيمان والأدلة العقلية- اهتمامًا كبيرًا، وحاول الجمع بين الفلسفة وعلم اللاهوت، وصبغ المسيحية بصبغة فلسفية واضحة؛ حيث أدخل إليها الكثير من آراء أرسطو (1618) .
وإذا انتقلنا إلى الإسلام فلن نجد للمشكلة أثرًا عند الجيل الأول من الصحابة والتابعين، على الرغم من توافر عدد من العوامل التي من شأنها إثارة مثل هذا الموضوع؛ كاحتكاك الصحابة بأبناء الأمم المفتوحة من فارس والروم بكل ما لديهم من تراث عقلي وأديان قديمة، كذلك مجاورتهم لليهود في المدينة، وقبلها لمشركي قريش في مكة، وقد تفننوا في إثارة الشبهات ومعارضة الإسلام وعقائده؛ لكن مع ذلك كله فإن افتراض وقوع معارضة بين النقل والعقل، أو الرأي والشرع، أو تحكيم العقل فيما لا موضع له أو ما يفوق إدراكه من الغيبيات لم يخطر ببال أحد منهم، ولم تظهر له أية آثار في أقوالهم أو آرائهم حول المسائل العقدية.
وثمة روايات متعددة تحكي استشكال نفر من الصحابة لعدد من النصوص التي ربما أحسوا بوجود نوع من التعارض فيما بينها، فكانوا يوردون إشكالاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها (1619) ؛ ومن هذا القبيل ما حدث من عائشة عندما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( مَنْ نُوقش الحساب عُذِّب ) )فقالت: يا رسول الله، أليس الله يقول: {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 7، 8] فقال: (( بلى، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب ) ) (1620) .
ولما سمعته حفصة رضي الله عنها يقول: (( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ) )قالت: أليس الله يقول: {وإن منكم إلَّا واردها} ؟ قال: (( ألم تسمعي قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} ) ) [مريم: 71] (1621) فورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يَرِدُونَها ثم ينجون من عذابها، وأما الظالمون فيردونها ورودًا لا يخرجون بعده أبدًا، وأيضًا لما نزل قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال الصحابة: وأيُّنا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: (( ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ) ) (1622) .