فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 584

وقد هاجم القاضي عبد الجبار القائلين بالتفسير الباطني، وانتقدهم بشدة، مبينًا ضعف مذهبهم واللوازم الخطيرة التي تترتب عليه؛ حيث يؤدي إلى التلبيس والإيهام، وما الفرق حينئذٍ بين أن يكون القرآن عربيًّا أو بلغة الزنج ما دام الظاهر لا قيمة له؟ وماذا لو طُبق هذا المذهب على كلام الناس جميعًا، فلا يُدرى النفي من الإثبات، والصدق من الكذب، وترتفع الثقة بعبارات المتكلم، ولا يستطيع أحد أن يجزم بنسبة رأي أو قول إلى صاحبه.

ثم ينتهي المعتزلة إلى أن غرض تلك الطائفة إبطال النبوات وهدم الإسلام، ولأنهم لا يستطيعون إظهار ذلك مباشرة لجئوا إلى ادعاء أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وتنزيلًا وتأويلًا، وبالتالي سدوا الطريق أمام معرفة معاني النصوص، وأحالوها إلى إمامهم المعصوم، فكانوا أخطر أثرًا وأشد ضررًا من أعداء الإسلام المظهرين لعداوتهم، والمصرحين بها (1922) .

ويؤيد التمايز المشار إليه ما قرره المعتزلة من شروط وضوابط لقبول التأويل، وتتمثل فيما يلي (1923) :

(أ) الأصل في الكلام أن يُحمل على ظاهره طالما كان ذلك ممكنًا.

(ب) لا يُلجأ إلى التأويل إلا مع وجود قرينة سمعية أو عقلية.

(جـ) موافقة التأويل لقوانين اللغة العربية ومعاني المفردات فيها.

(د) ألا يكون خارجًا عن تأويلات المفسرين أو شاذًّا عن أقوال الأمة.

وأظن أن المعتزلة لو التزموا بتلك الشروط، وطبقوها كما ينبغي؛ لاختفى جزء كبير من تأويلاتهم، ولما اتسعت هوة الخلاف بينهم وبين غيرهم من المذاهب الأخرى.

لم يسلك الأشاعرة مسلكًا واحدًا تجاه التأويل كما كان الحال عند المعتزلة، وثمة تساؤلات مهمة حول حقيقة موقفهم، ومتى ظهر لديهم التأويل بمفهومه الكلامي المحدد؟ وما المنهج الذي تبناه أبو الحسن وأصحابه الأوائل؟ وهل يختلف كثيرًا عن طريقة المتأخرين وما استقر عليه المذهب فيما بعد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت