فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 584

وفي سبيل الإجابة عن تلك التساؤلات يتعين علينا أن نتتبع مسيرة المذهب عبر مراحله المختلفة، متخذين من قضية الصفات مثلًا تطبيقيًّا نستعرض من خلاله الموقف الأشعري، ويعود اختيار هذه المسألة خاصة لمجموعة من الأسباب؛ منها: تَرَكُّزُ أغلب التأويلات الكلامية حولها، وارتباطها بمفهوم المحكم والمتشابه، وكثرة الاختلافات وتشعب الآراء التي قيلت بشأنها، حتى صارت أحد الفروق المميزة بين مذهب كلامي وآخر.

ونبدأ بأبي الحسن الأشعري، الذي وقف من التأويل الكلامي موقفًا متشددًا على المستوى النظري، فهو يؤكد أن الأصل في القرآن أن يُحمل على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ذلك الظاهر إلا بحجة وبرهان (1924) ، ولو أطلقنا العِنَان للتأويل لجاز أن يصير العام خاصًّا والعكس، ولاختلت دلالات النصوص، ولا يُلجأ إلى المجاز -عنده- إلا عند وجود القرينة الواضحة، والتي يصح معها أن تُصرف النصوص عن دلالاتها الظاهرة (1925) .

وقد أوسع الأشعري المعتزلة نقدًا وذمًّا لتوسعهم في التأويل وإسرافهم في استخدامه، كما انتقد التفاسير الاعتزالية في مقدمة كتابه في التفسير، والمسمى بـ «المختزن» وحكم على أصحابها بأنهم «تأولوا القرآن على آرائهم، وفسروه على أهوائهم تفسيرًا لم يُنزل الله به سلطانًا، ولا أوضح برهانًا» (1926) ، وخص تفسير شيخه السابق في الاعتزال «الجبائي» بالهجوم؛ لأنه «أوله على خلاف ما أنزله الله عز وجل» (1927) ، وحمله على معانٍ حادثة، ولم يعتمد على الرواية والأثر.

وعلى المستوى التطبيقي، التزم أبو الحسن بإثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وأيًّا كان نوعها بما في ذلك الصفات الخبرية؛ كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء، والعلو، في كتابيه «الإبانة» و «رسالة أهل الثغر» ، ولا يوجد له قول آخر ينحو فيه منحى التأويل، مما حمل ابن تيمية أن يجزم بسلوك الأشعري مسلكًا واحدًا تجاه الصفات «ولم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول مَن نفاها وتأول النصوص، وقد رد في كتبه على المعتزلة الذين ينفون صفات اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء» (1928) .

وخلافًا لنفي ابن تيمية المتقدم، فإننا نجد نفرًا من أئمة الأشاعرة ينسبون إلى أبي الحسن رأيًا يجوِّز فيه التأويل، هكذا على سيبيل الإطلاق (1929) ، وزاد الجرجاني الأمر تفصيلًا، فحكى عنه تأويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت