مرسلًا للرسل ومظهرًا للمعجزة على أيديهم لتدل على صدقهم، أما بقية المسائل فليس فيها ما ينفرد الدليل النقلي بإثباته إلَّا بشيء من التجوز، فصحيح أن السمعيات مردها إلى النصوص فحسب؛ لكن ذلك مشروط بتحقق الإمكان العقلي وانتفاء المعارض، وتبقى العقبة الأخطر؛ وهي قصور الدليل النقلي عن إفادة القطع واليقين.
وقد سبق مناقشة جل هذه النقاط فيما تقدم، وبيان ما فيها من مآخذ وانتقادات، والمهم هو أن الالتزام بها وتبنيها سوف يؤدي حتمًا إلى القول بتقديم العقل على النقل إذا حدث تعارض؛ لأنه الأقوى ثبوتًا، والأرجح دلالة، والأصل الذي بُني عليه غيره، وفيما يلي عرض لموقف المعتزلة والأشاعرة من هذه القضية.
ربما كان أول ما يدركه الناظر في الفكر الاعتزالي، والمطالع لمصنفات أئمته وآرائهم الكلامية حول مختلف المشكلات الجوهرية والفرعية التي أثاروها -وجود نزعة عقلية مسيطرة على تفكيرهم أينما توجه، وكانت أشبه ما تكون بروح عامة، أو تيار يسري في كافة جوانب المذهب، ويصبغ كل ما يقدمه من أدلة وبراهين.
وقد وَسَّع المعتزلة من دائرة التفكير إلى المدى الأقصى، وظهر لديهم منذ جذور النشأة الأولى، وتنامى مع مرور الأيام ميل حاد إلى التعويل على العقل والاعتماد عليه وتأكيد سلطانه، فأطلقوا له العنان ليخوض في جميع الميادين دونما قيد أو حجر، فله الحق أن يبحث في الله، وفي الإنسان، وفي السماء، وفي الأرض، وليس له نطاق معين؛ بل خُلق ليعلم كل شيء حتى ما وراء الطبيعة (1680) .
وجعلوه حاكمًا في سائر المسائل، فحكَّموه في إيمانهم، وفي جميع شئونهم العامة والخاصة، وحكَّموه في الفقه وفي أصول الفقه، وفي التعامل مع الأحاديث، والصحابة وما شجر بينهم، وفي السياسة ومشكلاتها، وبالجملة فقد حَكَّموه في جميع بحوثهم، وخاضوا على ضوئه في كل ما اختلف فيه من قضايا العقيدة وأصولها، واتسمت أدلتهم أول الأمر بالسهولة والبساطة، ثم تعقدت وتشعبت حتى بات من الصعب على غير المتخصص فهمها إلَّا بكثير من المعاناة، والمعرفة بالاصطلاحات والمفاهيم الفلسفية الدقيقة (1681) .