المذهبين فيها بالتأويل التفصيلي لكل آية أو حديث موهم الظاهر، ولا سيما ما كان منها في باب الصفات الخبرية (1857) .
يرى المعتزلة والأشاعرة -كما فصَّلنا سابقًا- أن حجج الله تتعاضد ولا تتعارض، وأن الدليل السمعي لا يصل إلى درجة القطعية إلَّا إذا سلم من وجود المعارض العقلي، وإذا فرض حدوث تعارض ما بين النقل والعقل فالواجب تقديم العقل على النقل، ثم تُؤول نصوص النقل أو تُفوض.
وقد اعتُبرت موافقة العقل أو مخالفته أحد الضوابط المهمة التي على ضوئها يُتمسك بالنص أو يُؤول، والقاعدة العامة عند المعتزلة أن دليل العقل إذا منع من الشيء فالواجب في السمع إذا ورد ظاهره بما يقتضي ذلك الشيء أن نتأوله؛ لأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل؛ فلا يجوز التناقض بينهما (1858) .
ولما كان العقل عند المعتزلة يحكم باستحالة رؤيته تعالى في الآخرة ويمنع من إمكانها- وجب تأويل النصوص المثبِتة لها، وكذلك الحال في سائر نصوص الصفات، وخبر الواحد عند القاضي إن كان واردًا في الاعتقادات نُظر في مضمونه، فإن وافق حجج العقول قُبل واعتُقد موجبه، لا لمكانه وإنما للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقًا لها تعين رده، والحكم بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقله، وإن قاله فعلى سبيل الحكاية عن غيره، وهذا إذا لم يحتمل التأويل إلَّا بتعسف، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول (1859) .
ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الأشاعرة، كما يبدو من قانون التأويل عند الغزالي والرازي، كما نصَّ عبد القاهر البغدادي على أن الراوي إذا روى ما يحيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا- رُد خبره، وإن كان ما رواه الثقة يروغ ظاهره في العقول، ولكنه يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقول- قَبلنا روايته، وتأولناه على موافقة قضايا العقول (1860) ، فالعقل إذن هو الفيصل في قبول النص أو تأويله.
ثالثًا: التعارض الظاهري بين بعض النصوص