فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 584

وقد لجأ متكلمو المدرستين في بعض الأحيان إلى التأويل عند توهم تعارض الأدلة النقلية مع بعضها البعض، بدلًا من الجمع الممكن وإعمال النصوص كلها، ظنًّا منهم أن في ذلك توفيقًا بينها، وحلًّا للإشكال القائم إذا أخذنا بها جميعًا، ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد القول بأن آية {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] يتعارض معها جميع النصوص المثبتة للصفات عند المعتزلة أو نصوص الصفات الخبرية فقط عند الأشاعرة؛ ولذا وجب تأويلها.

كذلك يرى المعتزلة أن أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر وإخراجهم من النار تتعارض مع الآيات والأحاديث الدَّالة على خلودهم فيها، والنصوص التي تثبت المشيئة والخلق لله تعالى تتعارض مع النصوص المثبتة للعبد مشيئة واختيارًا؛ فيجب تأويل النوع الأول بما يتفق مع الثاني، بينما يرى الأشاعرة خلاف ذلك، ويؤولون نصوص النوع الثاني لتتفق مع الأول وفقًا لنظرية الكسب، والأمثلة في هذا الجانب كثيرة ومتنوعة لا يخلو منها باب من أبواب علم الكلام ومسائله.

ولأبي الفضائل الرازي كتاب أسماه «حجج القرآن» (1861) ، أورد فيه شواهد وأدلة لجميع الطوائف على ما يعتقدونه من آيات القرآن، ويخرج مُطالِع الكتاب بانطباع راسخ، مؤداه: أنه من فرقة إلَّا وتتشبث بما يؤيد مذهبها وترى أنه الحق، وأما ما يوافق رأي الخصوم فتؤوله بكل سبيل؛ ليسلم لها ما تظنه الصواب، ولا يهم إن كان تأويلها صحيحًا أو متعسفًا، وإنما المهم نصرة المذهب وتأييد آرائه، ولعل هذا ما حدا بالبعض أن يلخص السبب الحقيقي للجوء إلى التأويل بأنه الدفاع عن المذهب وقواعده.

وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها، فالعيار على ما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها، فما وافقها أقروه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه، ولا تخفى هذه الظاهرة على الناظر في مصنفات سائر الفرق الكلامية.

فموقف بعض الشيعة العدائي من الصحابة دفعهم إلى تأويل كل ما ورد في فضائلهم والثناء عليهم، والمعتزلة لما أصَّلوا القول بأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم أوَّلوا كل ما خالف ذلك، والأشاعرة لما قالوا بنظرية الكسب ولم يثبتوا الصفات الخبرية أوَّلوا النصوص المخالفة لمذهبهم، والمرجئة لما قالوا: إن الإيمان هو المعرفة ولا يزيد ولا ينقص؛ أوَّلوا ما فهم منه دخول العمل ضمن مسمى الإيمان، وهكذا أكثر الطوائف (1862) مما أدَّى لنشأة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت