فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 584

لعدم ثبوت النبوة أصلًا، فإن الشيعة في مجملها تقر بوجود السُّنَّة وحجيتها ولزوم اتباعها، وإن كان ثمة فرق شاسع بين ما يعدونه سُنَّة وبين ما هو كذلك عند أهل السُّنَّة والجماعة، ولهذا فقد انفردوا بكتب ومرويات وقواعد جرح وتعديل خاصة بهم، مما أدى إلى إنكارهم كثيرًا من مرويات أهل السُّنَّة وتضعيفها، والاعتداد بمرويات منسوبة لأئمتهم، ليس لها نصيب من الصحة في ميزان النقد السُّني.

وهكذا يمكن القول كما قرر نفر من الباحثين المعاصرين (522) إن جميع المسلمين متفقون على حجية السُّنَّة سوى طوائف شاذة منحرفة، هم على التحقيق خارجون عن مسمى الإسلام، ولا صحة لما زعمه بعض المستشرقين من أن جميع المدارس الفقهية القديمة، فضلًا عن أهل الكلام قد عارضت السُّنَّة، وقاومتها كعنصر جديد، ودخيل في مجال فقههم، حتى جاء الشافعي، وناضل لهدم تلك الفكرة (523) بل العكس هو الصحيح، فالجميع مقر بحجيتها، ومعتمد عليها، وإن كان هذا الإقرار في كثير من الأحوال لم يتعد درجة التسليم النظري، أما من ناحية التطبيق والاستدلال فكم عانت السُّنَّة ممن أوسعوا أحاديثها ردًّا، وتضعيفًا لأدنى معارضة، وضيقوا من دائرة الاحتجاج بها، وإلا فأي فائدة من القول بحجيتها مع إنكار صحة الأخبار جملةً وتفصيلًا، أو إثبات المتواتر فحسب ورفض ما سواه، ثم حصر المتواتر في بضعة أحاديث لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وتصير حجية السُّنَّة في نهاية المطاف هي حجية هذا العدد الضئيل، وما سواه فلا قيمة له، ولا يستطيع أن ينفرد بالتشريع عقديًّا أو فقهيًّا؟!

ولا شك أن الإجماع على حجية السُّنَّة ينسحب على المعتزلة والأشاعرة، كما ينطبق على سائر المسلمين، غير أننا سنحاول أن نخص كلًّا من المدرستين بوقفة، تستجلي حقيقة نظرتهم إلى السُّنَّة، والمكانة التي حظيت بها خلال الإطار الفكري لكلا المذهبين.

أقر المعتزلة نظريًّا -ودونما استثناء- بحجية السُّنَّة إذا ثبتت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وفقًا لشروطهم الخاصة، وهم يعدونها كسائر المسلمين مصدرًا شرعيًّا، واجب الاتباع، تُستقى منه الحجج، وتُستخرج الدلائل، ويلزم كل مكلف مصدق بهذا الدين ومُسلِّم بأصوله وثوابته الرئيسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت