(جـ) البعد عن تأثير الفلسفة، فلم تكن كتبها قد تُرجمت حينئذٍ بقدر كبير، كما لا توجد شواهد ثابتة تدل على اطلاع واصل عليها، أو وقوفه على ما تُرجم منها، وقد أشار الشهرستاني إلى أن مقالة المعتزلة في الصفات كانت غير نضيجة في بدئها، وكان واصل يشرع فيها على قول ظاهر، ثم خاض فيها أصحابه من بعد حينما طالعوا كتب الفلاسفة (1719) .
تغيرت الحالة العلمية للعصر الذي نشأت فيه الطبقة الثانية من المعتزلة عما كان عند أسلافهم الأوائل، مما أثر بدوره على آرائهم الكلامية، ومنهجهم في الاستدلال، وبعد أن كانت المصادر الأولى للمسائل الكلامية تدور حول القرآن والحديث، والنظر العقلي المتفهم لهما، أضيفت مصادر أخرى؛ كآراء الأمم الأجنبية التي دخلت تحت حوزة المسلمين، والكتب الفلسفية التي تُرجمت، ونشأ علمُ كلامٍ جديد ملقح بالكثير من الآراء الفلسفية (1720) .
ومردُّ ذلك أن المعتزلة حينما ألزموا أنفسهم بمهمة الدفاع عن الإسلام في وجه أعدائه من أتباع الملل الأخرى، بدا لهم أن هؤلاء القوم أمضى سلاحًا، وأبلغ قدرة على الجدل والمناظرة والحجاج، فهم أصحاب حضارات قديمة، وثقافات موروثة، وكان لهم باع طويل في الفلسفة والمعارف العقلية، واطلاع واسع على كتب الأقدمين ومصنفاتهم، يستوي في ذلك سكان سوريا ومصر، وسكان فارس والعراق، فالسوريون والمصريون كانوا تابعين للدولة البيزنطية وريثة الإمبراطورية الرومانية في الشرق، وحضارتها مزيج من مدنيتي اليونان والرومان، ولديها مدارس فلسفية مشهورة في الإسكندرية وإنطاكية، أما العراقيون والفارسيون فكانوا خاضعين للإمبراطورية الفارسية، التي لم تهمل الدراسات الفلسفية، وقامت فيها مدرستان شهيرتان؛ هما: مدرسة نصيبين الثانية، ومدرسة جنديسابور (1721) .
وقد استطاع أبناء تلك الدول أن يبنوا عقائدهم على أصول فلسفية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلامًا تبدو عليه مسحة منطقية، وأن يحسنوا فن المناظرة والجدال، فلما شمَّر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم أدركوا أنهم لن يستطيعوا ذلك بسهولة إلَّا إذا درسوا الفلسفة وأتقنوها؛ لما رسخ عندهم من عدم كفاية النصوص السمعية لإفحام غير المسلم وإقامة الحجة عليه، وضرورة استنادها إلى براهين وحجج عقلية تثبت صحتها، ومن ثَمَّ فإن لجوءهم إلى دراسة الفلسفة أول