فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 584

شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون [النور: 4] وبإجماع المسلمين على تسمية مرتكب الكبيرة فاسقًا (1713) ، وصحيح أن الآية والإجماع لا يدلان بحال على صحة مذهبه؛ لكن الشاهد هو محاولته الدوران في فلك الأدلة النقلية، وعدم الخروج عن الانتساب إليها، وربط المذهب بمدلولاتها.

والاختلاف بين واصل ورفيقه عمرو بن عبيد في درجة القرب أو البعد من النقل واضح، على الرغم من تعاصرهما (1714) ، وقد أشرنا فيما مضى إلى الرسالة المطولة التي بعث بها واصل إلى عمرو منكرًا عليه الإكثار من التأويل بالرأي المجرد، وما نتج عنه من تنقيص المعاني وتفريق المباني، ثم أمره بتأدية المسموع، والنطق بالمفروض، والكف عن تأويل الأحاديث على غير وجهها (1715) ، وكل ذلك يؤكد مخالفته لتلك المسالك، ولا ننسى أثر اختلاف البيئة بين الرجلين، فواصل وُلِدَ بالمدينة، بينما عمرو نشأ وتربى بالبصرة، والغالب على أهل المدينة الاستمساك بالكتاب والسُّنَّة، والاتباع للآثار وعدم الإسراف في الرأي، أما البصريون فأصحاب نظر وقياس ومجادلات ومناظرات وتغليب للرأي على الأثر (1716) .

وهكذا فإن منهج هذه الطبقة بدأ جدلًا بسيطًا حول عدد من المسائل الشائعة في ذلك العصر؛ كحكم مرتكب الكبيرة، وأفعال العباد، ولم تكن صبغتهم صبغة فلسفية؛ بل كانت بعيدة عن التعقيد واتسمت بالبساطة، وحاولت الربط بين آرائها وأدلة السمع، وإن كانوا قد سلكوا طُرقًا غير سديدة في الاستدلال، وأوَّلوا النصوص بما يوافق المذهب؛ لكنهم ظلوا أكثر اقترابًا من النقل، مقارنة بمن جاء بعدهم (1717) ، وثمة عوامل أظن أن تأثيرها على منهج واصل كان واضحًا، وتتمثل فيما يلي (1718) :

(أ) الجو العام الذي نشأ فيه، وهو نهاية القرن الأول الهجري وبداية الثاني؛ حيث التابعون متوافرون، ومنزلة الكتاب والسنة لها في النفوس أرفع مكان، ولم يكن عُرف حينذاك فكرة تقديم النظر العقلي المحض، أو الذوق والوجد على دلالات النصوص.

(ب) قربه من الحسن البصري، وتتلمذه على يديه، وصحيح أنه قد فارقه فيما بعد، واعتزل مجلسه؛ لكن من الصعب ألا يبقى أثر ولو كان قليلًا من هدى الحسن وسمته، وتعظيمه البالغ للأدلة الشرعية في تلميذ جالسه زمنًا ليس بالقصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت