فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 584

والذي نخلص إليه من خلال عرض الأقوال المتقدمة أن جل المعتزلة وجميع الأشاعرة قائلون بأن الإجماع ممكن عقلًا وعادةً، ويجوز الاطلاع عليه ثم نقله، وبهذا يتمهد الطريق للنظر في موقفهم من حجيته؛ لأن إنكار أي واحدة من المسائل المذكورة يقطع الطريق أمام البحث في الحجية.

ثالثًا: حجية الإجماع

(أ) موقف المعتزلة:

في حدود التراث الاعتزالي الموجود بين أيدينا، والذي يأتي في مقدمته مؤلفات الخياط والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، ومن خلال أقوال أئمته المتناثرة في ثنايا المصادر الاعتزالية وغير الاعتزالية، يتبين بوضوح أنهم جميعًا -أو بتعبير أدق جمهورهم- يعتدُّون بحجية الإجماع ويُسلِّمون بها، وقد تتابعت عباراتهم صريحة لا تحتمل لبسًا، منذ واصل بن عطاء وحتى متأخري المذهب، تؤكد على أن هذا رأيهم، ونصَّ أكثر من واحد منهم على إدراج الإجماع ضمن المصادر التي يُتوصل بها إلى معرفة الحقائق، كما أن لبعضهم اهتمامًا ملحوظًا بتلمس الشواهد وإقامة الأدلة والبراهين على حجية الإجماع، والرد على نفاته وتفنيد شبههم، ولا بأس أن نسوق طرفًا من النصوص التي تبرز هذه الحقيقة وتزيدها بيانًا:

(أ) عَدَّ واصل بن عطاء الإجماع ضمن الوجوه الأربعة التي تُعرف بها الحقائق، وهي «كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (962) ، ويلاحظ أن الإجماع ورد عنده في ذيل القائمة، وفصل بينه وبين الكتاب والسُّنَّة -وهما دليلان نقليان- بالعقل، مما يومئ إلى أن رتبته التأخير، وأن اللجوء إليه إنما يكون بعد انعدام المصادر الثلاثة الأولى، وقد بقي ذلك خطًّا عامًَّا للفكر الاعتزالي.

(ب) وهذا ما نجده عند القاسم الرسي، الذي يحصر الأدلة في «المعقول، وفي أحكام الله جل ثناؤه، وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إجماع الأمة» (963) ، ونجده أيضًا عند القاضي عبد الجبار الذي يقرر أن الأدلة أربعة: «حجة العقل، والكتاب، والسُّنَّة، والإجماع» (964) . ومع تغير الترتيب عند هؤلاء النفر الثلاثة إلَّا أن رتبة الإجماع ظلت كما هي في المؤخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت