فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 584

وقصر بعض الأشاعرة -كالرازي والبيضاوي- العلم بالإجماع على عصر الصحابة، وقالوا بتعذر الاطلاع عليه في الأزمنة بعدهم، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وحجتهم أن الصحابة كانوا قليلين محصورين، ومجتمعين في الجزيرة العربية، ومَن خرج منهم بعد فتح الأمصار كان معروفًا ومشهورًا في موضعه، أما المجتهدون في العصور التالية فيصعب حصرهم وإحصاؤهم، فضلًا عن معرفتهم بأعيانهم، والوقوف على آرائهم واجتهاداتهم (959) .

وأظن أن استقراء وقائع التاريخ الإسلامي، وتتبع مسيرة الاجتهاد والمجتهدين، تشهد لصحة هذا القول، وتجعل الجزم بوقوع إجماعات مستوفاة للشروط الاصطلاحية بعد عصر الصحابة أمرًا عسيرًا، لكن القول باستحالة ذلك وامتناعه يظل محتاجًا إلى دليل قاطع.

(د) وأخيرًا يأتي النظر في إمكانية نقل الإجماع:

إلى سائر الأمة على فرض التسليم بوقوعه والاطلاع عليه؛ كبحث عملي في الاستفادة الحقيقية منه؛ حيث تتوقف منفعته الفعلية على إيصاله وإشاعة العلم به لدى المسلمين جميعًا، وإلا صار الكلام حوله مجرد أبحاث نظرية لا طائل وراءها.

ويرى جمهور الأصوليين -ومنهم أكثرية المعتزلة والأشاعرة- إمكانية نقل الإجماع في سائر العصور بالحجة المتكررة عندهم؛ وهي الوقوع بالفعل (960) ، ولعل كتاب ابن حزم «مراتب الإجماع» مثال واضح في هذا الصدد؛ حيث أورد عشرات الإجماعات في مختلف أبواب الدين، أصولًا وفروعًا؛ بل إن أحد أئمة الأشاعرة -وهو أبو إسحاق الإسفراييني- بالغ في تعداد مسائل الإجماع، ووصل بها إلى رقم مهول، متخذًا من ذلك الكم الكبير حجة يرد بها على الملاحدة الطاعنين في الإسلام؛ لاختلاف أتباعه الشديد في جُل أمور دينهم.

فقال: «نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، وبهذا يرد قول الملاحدة أن هذا الدين كثير الاختلاف؛ إذ لو كان حقًّا لما اختلفوا فيه، فنقول: أخطأت، بل مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، ثم لها من الفروع التي يقع الاتفاق منها وعليها، وهي صادرة عن مسائل الإجماع التي هي أصول أكثر من مائة ألف مسألة، ويبقى قدر ألف مسألة هي من مسائل الاجتهاد» (961) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت