فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 584

أدلتهم الوقوع الفعلي؛ حيث حصل الإجماع على كثير من مسائل الدين المعلومة بالضرورة، ولا يوجد مانع معتبر يمنع من هذا الاتفاق، لا سيما إذا قارنا الإجماع الناشئ عن دليل صحيح بكثير من الاتفاقات القائمة على غير دليل؛ كأقوال اليهود والنصارى وسائر النحل الباطلة (955) .

وذهب بعض أصحاب النظَّام وبعض الشيعة والخوارج إلى استحالة وقوع الإجماع عادة؛ لأنه يبعد اتفاق جميع المجتهدين -وهم ذوو مشارب شتى وقرائح مختلفة- على حكم واحد، واجتماعهم على دليل ظني متعذر، وأما اجتماعهم على الدليل القطعي، فوجوده ينفي الحاجة إلى الإجماع. وقد عُني أئمة المعتزلة والأشاعرة بالرد على هذه الإشكالات والشبه تفصيلًا (956) .

ومما تجدر الإشارة إليه أن جمعًا من الأصوليين نسبوا هذا المذهب إلى النظَّام نفسه، لكن الصحيح -كما أشار السبكي وغيره (957) - أنه مذهب نفر من أصحابه، وأما حقيقة رأيه فهو تصور الإجماع وإمكان وقوعه مع نفي حجيته، وسبق أن ذكرنا تعريفه للإجماع، وتعريف الشيء فرع عن تصوره وإدراكه.

(جـ) وأما إمكانية الاطلاع على الإجماع والعلم به:

فقد اخْتُلف فيها على عدة أقوال مبنية على الموقف من جواز وقوعه بالفعل، ومن الطبيعي أن يذهب المنكرون لوقوعه ممن حكينا مذهبهم آنفًا إلى القول باستحالة الاطلاع عليه، وأما جماهير المعتزلة والأشاعرة فيرون إمكانية العلم به مطلقًا لا فرق بين عصر وآخر، واستدلوا على ذلك بدليلهم المتكرر، وهو الوقوع الفعلي والاطلاع على الكثير من الإجماعات فيما هو معلوم من الدين بالضرورة.

واحتجوا كذلك بما هو مشاهد من العلم بضروريات المذاهب الإسلامية، مع كثرة المجمعين وخروجهم عن الحصر، فنحن نعلم أن مذهب المعتزلة نفى رؤية الله في الآخرة بالأبصار، ومذهب الأشاعرة غير ذلك، ونعلم اتفاق اليهود والنصارى على إنكار بعثة محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين كافة، وإجماع المسلمين على القول بذلك، وغيرها من النماذج المشهورة في سائر العلوم (958) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت