والقاسم الرسي (657) ، والخياط (658) ، والقاضي عبد الجبار (659) ، وأبي الحسين البصري (660) ، ولا نطيل بذكرها ثانية؛ لكن من المهم أن نتوقف عند عدد من المعتزلة الذين نُسبت إليهم تهمة إنكار حجية المتواتر، أو انفردوا بآراء غريبة تجاهه، تخالف التوجه الاعتزالي العام، وتنطوي على التشكيك في المرويات المتواترة، إما نظريًّا وإما عمليًّا، أو تشترط للتواتر شروطًا تجعله مستحيل الوقوع، وعديم الفائدة، ومن أبرز من نسب إليه شيء من ذلك القبيل:
وقد حكى عنه بعض الأشاعرة كعبد القاهر البغدادي (661) ، وأبي المظفر الإسفراييني (662) والإيجي (663) القول بأن الخبر المتواتر، مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين وتنوع دواعيها، يجوز أن يقع كذبًا، وعلق البغدادي على مذهبه هذا في إمكانية كذب الخبر المتواتر إضافة لما اشتهر عنه من نفي القياس والإجماع بأنه يقصد من وراء ذلك كله إبطال أحكام فروع الشريعة لإبطاله طرقها؛ لأن إنكار حجية هذه الأدلة مع أن كثيرًا من أحكام الشريعة ثبت عن طريقها يئول في نهاية الأمر إلى إبطال أحكام الشريعة ذاتها.
ولم تقتصر حكاية مذهب النظام على خصومه من الأشاعرة، فقد ذكر القاضي عبد الجبار نفس الرأي معزوًّا إليه، مع مزيد إيضاح وتفصيل، فأشار إلى أنه «يقول في الجماعة، إذا أخبرت أن العلم قد لا يقع بخبرها، إذا لم يقترن بخبرها السبب، فقد يرد التواتر بأمر، وهناك سبب يقوي خلافه، فيمنع من وقوع العلم» (664) ولم يجد القاضي بُدًّا من انتقاده والرد عليه في رأيه هذا، مبيِّنًا ما يلزمه من رفض كثير من الأخبار المتواترة المقطوع بصحتها، والمفيدة للعلم باضطرار لا انفكاك عنه (665) .
وتجدر الإشارة إلى أن المعوَّل عليه عند النظَّام ليس وصف الخبر بالتواتر أو الآحاد؛ وإنما الاعتماد الحقيقي على القرائن والأسباب التي إن وُجدت أفادت العلم ولو كان الخبر آحادًا، وإن فُقِدت رُدَّ الخبر ولو كان متواترًا، ومن ثَمَّ فالنظَّام لا يرد المتواتر، أو ينكر حجيته مطلقًا (666) ، وإنما يرده إذا لم تقترن به الأسباب المفيدة للعلم، وهو لا يُجوِّز وقوع المتواتر كذبًا في كل الأحوال، وإنما في بعضها.