ومصطلح الحديث، ولم أستطع الوقوف -في حدود اطلاعي القاصر- على نص صريح لأحد من أهل العلم قبل واصل، يفرق فيه بين النوعين، حتى إن الجاحظ في سياق تعداده لمناقب واصل ومآثره، يصفه بأنه «أول مَنْ عَلَّم الناس مجيء الأخبار، وصحتها، وفسادها، وأول من قال الخبر خبران: خاص وعام» (652) .
ومع أن الجاحظ لم ينسب كلامًا صريحًا لواصل في التفرقة بين المتواتر والآحاد؛ لكن من المؤكد أن أهم مباحث الأخبار، وأولاها بالعناية هي تلك القضية، ولحسن الحظ فقد نقل القاضي عبد الجبار نصًّا مهمًّا عن واصل يقول فيه: «كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ والتراسل والاتفاق على غير التواطؤ فهو حجة، وما يصح ذلك فيه فهو مطرح» (653) ويسمى النوع الأول عنده: «بالخبر المجتمع عليه» (654) أو «الخبر الذي جاء مجيء الحجة» (655) ، وبالرغم من غياب مصطلح التواتر فإن ما ذكره واصل من أوصاف لا يخرج بحال من الأحوال عن حدود التواتر التي تُعورف عليها فيما بعد.
وإذا صحَّ ما تقدم من أولية واصل في التفريق بين المتواتر والآحاد، فيبقى النظر في الدواعي والأسباب التي ألجأته إلى تلك الفكرة، وهل هي دواعٍ علمية خالصة، يقصد بها ضبط المصطلحات، والتمييز بين المقبول والمردود، أو يضاف إليها -بل ربما يسبقها- دوافع مذهبية تبغي نصرة آراء المذهب ومعتقداته؛ حيث وجد العديد من الأحاديث التي تخالف ما انتهى إليه من رأي، ويصعب تأويلها، فضلًا عن ردها؛ لصحة أسانيدها، وصراحة متونها، وعدم احتمالها للتأويل إلَّا بتعسف شديد، فكان المخرج من عناء ذلك كله بقاعدة واحدة خلاصتها: أن الأحاديث قسمان: متواتر وآحاد، والمتواتر هو الحجة فحسب، وما يعارض المذهب آحاد لا حجة فيه، وهكذا حُلَّت المشكلة، وكفى الله المؤمنين القتال؟!
وأظن أن ما سيرد معنا من نماذج؛ لرد المعتزلة كثيرًا من أخبار الآحاد، وطريقتهم في التعامل معها، وموقفهم من الحديث بصفة عامة، ربما يعضد الاحتمال الثاني، ويضفي عليه مسحة من القبول.
وبعد واصل توالت نصوص أئمة الاعتزال في إثبات حجية المتواتر، والتأكيد على أنه وحده الصالح للاستشهاد في مجال الأصول العقدية، وقد مرَّ معنا نصوص كلٍّ من الجاحظ (656) ،