وحذا الزمخشري (ت 583 هـ) حذو سابقيه؛ فعقد مقارنة بين حفظ الله للقرآن، وبين الكتب السماوية السابقة، التي لحقها أنواع من التغيير والتبديل، وأرجع السبب في ذلك إلى تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن، فكان «حافظه في كل وقت، من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتولَّ حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فكان التحريف» (200) .
ومن جملة اعتقاد المكلف في القرآن -عند القاضي عبد الجبار- أنه محروس عن المطاعن لا زيادة فيه ولا نقصان (201) ، وهو يحكم بالكفر -في أسلوب جازم، وعبارة قاطعة- على مَن ينكر شيئًا منه، سواء أكان سورة أم آية، وينسب حكم التكفير إلى المسلمين جميعًا، «فالأمة مكفِّرة لمن يجحد السورة منه والآية، كما يُكفِّرون مَن يجحد تحريم الخمر، والزنى، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان؛ لأنهم يعلمون ذلك بالنقل على سبيل الاضطرار كما يعلمون غيره» (202) ، وتبدو أهمية هذا النص في تحديده موقف المعتزلة من ثبوت النص القرآني على سبيل القطع واليقين، كما يقدم حجة قوية أمام الاتهامات التي طالتهم، بما نخلص من خلاله إلى أنهم لا يخرجون عن آراء بقية الأمة، وليس بينهم وبين أهل السُّنَّة خلاف يُذكر في هذه المسألة.
لا يحتاج الموقف الأشعري إلى مزيد إطالة في عرضه، أو التدليل عليه، فنصوص أئمة المذهب كثيرة ومتنوعة في هذا الصدد، وصلتهم بالدراسات القرآنية على اختلاف أنواعها -وخصوصًا التفسير- صلة بارزة، وواضحة للعِيَان، بدءًا من مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري، ومرورًا بالباقلاني وابن فورك، وعبد القاهر البغدادي، إلى أن نصل إلى أساطين المذهب من المتأخرين.
فأبو الحسن له تفسير كبير يعرف بـ «المختزن» لم يبقَ منه سوى مقدمة خطبته التي نقلها ابن عساكر (203) ، وأما بقية الكتاب فمفقود، واخْتُلف في أسباب فقده (204) ، كما تنوعت الأقوال في تعداد مجلداته، فقيل: إنه في سبعين مجلدًا (205) ، وقيل: في أربعمائة (206) ، ووصل ابن العربي بالعدد إلى رقم بالغ الضخامة؛ إذ جعله في خمسمائة مجلد (207) ، والظاهر أن الاختلاف راجع إلى طبيعة الخط الذي كُتب به (208) ، أو لوقوف بعض المطالعين على ما لم يقف عليه غيرهم.