التأكيد والتعضيد لما ثبت بالعقل، أما أن يكون مصدرًا مستقلًّا بذاته، قادرًا على إثبات سائر المسائل، فمحال عندهم؛ إذ تلك وظيفة العقل، والنقل عنها بمعزل.
ويتفق المعتزلة مع سائر الأمة في القول بقطعية ثبوت النص القرآني جملةً وتفصيلًا، ووصوله إلينا كما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، سالمًا من أي تحريف بالزيادة أو النقصان، ومن إنصاف أبي الحسن الأشعري وأمانته العلمية أنه لم يبخس المعتزلة حقهم في هذه المسألة، ولم يحمله ما بينه وبينهم من خصومة ونزاع على أن ينسب إليهم ما لم يقولوه، لا سيما وأن الموضوع يمس جانبًا خطيرًا من جوانب العقيدة، فعندما عرض لحكاية مذهب الرافضة في القرآن، وذكر أن بعضهم زعم وقوع النقص أو الزيادة فيه، عقَّب على إثر ذلك بإيضاح مذهب من تأثر بالمعتزلة من الرافضة، وأنهم يخالفونهم، ويعتقدون أن القرآن «ما نُقص منه، ولا زيد فيه، وأنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه لم يُغيَّر، ولم يُبدَّل، ولا زال عما كان عليه» (196) .
وأقوال المعتزلة الخلص أكثر تفصيلًا، وأوضح دلالة، فالجاحظ يدلي بدلوه في هذه المسألة، ويقطع بصحة النص الذي اجتمع عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، والمتمثل في مصحف عثمان رضي الله عنه؛ حيث اتفق على صحته أول الأمة وآخرها، وما كان هذا حاله فهو ظاهر الصواب، واضح البرهان (197) ، وقد أثارت جهوده في هذا الميدان شانئة أحد الملحدين من أعداء الإسلام -وهو ابن الراوندي- فألف كتابًا يعترض فيه على كلام الجاحظ، فتصدى له معتزلي آخر، وهو أبو القاسم البلخي (ت 319 هـ) ونقض كتابه، وأظهر ما فيه من أخطاء وأباطيل، ولم يصل إلينا هذا الكتاب، وإنما أشار إليه القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة (198) .
ويؤكد الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) أن سلامة النص القرآني من النقص أو الزيادة أظهر من أن يُتصور الخلاف فيها، وقد صدَّر كتابه «التهذيب في التفسير» بخطبة منبئة عن مذهبه، فالله سبحانه وتعالى «أنزل القرآن، وصانه عن التحريف والزيادة والنقصان، ونسخ به سائر الأديان» (199) .