ونصل إلى القاضي عبد الجبار (ت 415 هـ) الذي انتهى إليه التراث الاعتزالي عبر مراحله المختلفة فأصَّلَهُ، وأقام منه بناء يتسم بالتناسق الفلسفي، وبلور أصول المذهب، واستفاض في شرحها، والدفاع عنها، وموقفه من حجية القرآن كموقف سائر أصحابه، وإن تميز بنوع من البسط والتفصيل أعانه عليه عصره المتأخر -نسبيًّا- واطلاعه على تراث متقدمي أصحابه، ثم شعوره بكثرة ما وُجِّه إلى الفكر الاعتزالي من تهم تصفه بقلة الاهتمام بالنصوص، وعدم إنزالها منزلة الصدارة في الاستدلال، ومن ثم جاءت كتاباته لنفي هذه التهمة وما شابهها، كما في «فضل الاعتزال» وغيره من المصنفات.
وينص القاضي في أكثر من موضع على أهمية الاستدلال بالقرآن في مسائل العقيدة وسائر العلوم، مبينًا أن «أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علمهم، ويبنون عليه كتبهم، فإن المتكلمين إنما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه» (189) ، وبعد أن يسوق عددًا من الآيات في أكثر من موضع من كتبه (190) يعلق على الاستدلال بقوله تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} [الأنبياء: 30] بأنه «لو لم يكن في كتاب الله من التنبيه على أدلة التوحيد والعدل وغيرهما إلَّا ما ذكرناه في هذه الآية لكفى» (191) ، ثم يتعجب ممن غفل عن ذلك وراح «يزعم أنه ليس في الكتاب التنبيه على علم الكلام، ولا في السنن مع الذي ذكرناه» (192) .
والمطالِع للنصوص السابقة يتولد لديه انطباع بأن الاحتجاج بالأدلة النقلية عند المعتزلة -وعلى رأسها القرآن في مجال التوحيد والعدل وسائر الأصول- أمر متفق عليه، وحقيقة لا غبار عليها، لا سيما وأن الخياط يصور مذهب أصحابه فيقول: «من أخبار الله عند المعتزلة القرآن، وهو حجتهم على مَن خالفهم في توحيد، أو عدل، أو وعيد، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» (193) .
ولكن ثمة نصوص أخرى تعكر على هذا الانطباع (194) ، نكتفي بذكر مثال واحد منها مرجئين الموضوع برمته إلى الباب الثاني؛ فالقاضي عبد الجبار يحكي عن شيخه أبي علي الجبائي (ت 303 هـ) أن «سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدًا لما في العقول، فأما أن يكون دليلًا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» (195) ، وبذلك يقتصر دور القرآن على