خامسًا: مفهوم المعتزلة للمحكم والمتشابه، وقد عرضنا له في المبحث السابق، ويهمنا في هذا الموضع ما انتهوا إليه من أن المتشابه كله يمكن العلم بمعناه، وليس فيه ما لا يدرك المراد منه، وكما يقول القاضي: «ليس في المتشابه آية إلا ويقترن بها ما يدل على المراد» (1969) ، وبناء على ذلك فالتشابه في اللفظ، وأما المعنى فلا بد «أن يكون المراد به واضحًا بالأدلة عليه من المحكمات» (1970) ؛ لأنه ليس في كتاب الله شيء إلا وقد أراد عز وجل به ما يمكن للمكلف أن يعرفه وإن اختلفت مراتب ذلك، ففيه ما يستقل بنفسه، وفيه ما يحتاج إلى قرينة إجمالية أو تفصيلية (1971) .
وفي تفسير آية آل عمران اختار المعتزلة كون الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه (1972) ، واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة والتابعين على تفسير القرآن، وحتى من رجَّح منهم الوقف على لفظ الجلالة فقد حمل المتشابه على ما استأثر الله بعلمه؛ كوقت قيام الساعة، والتأويل المنفي عنها هو العلم بوقت وقوعها لا أصل المعنى الوارد فيها.
ومن الأصول المقررة عند المعتزلة أن القرآن ليس فيه ما لا معنى له، أو ما لا يُفهم المراد منه، وقد عقد القاضي عبد الجبار فصولًا في كتابه «المغني» لتقرير ذلك (1973) ، وحجتهم أن المقصود من الخطاب معرفة مراد المخاطب؛ فوجب أن يكون هناك طريق إلى معرفة مراده وإلا كان عبثًا، ولا فرق بين أن يكون عربيًّا أو أعجميًّا، وكل هذا مما ينافي حكمة الله وعدله، كما أن الكلام لا يكون فصيحًا أو بليغًا أو معجزًا إلا مع العلم بمعناه، وبدونه تنتفي تلك الأوصاف (1974) ، وتفريعًا على هذا الأصل لا يوجد مجال للقول بالتفويض؛ لأن معنى المتشابهات واضح ولا خفاء فيه.
برزت ظاهرة التفويض عند الأشاعرة، وآثرها كثير من أئمة المذهب على مسلك التأويل، الذي أحاطت به الكثير من المشاكل والاعتراضات، ويكفي أن خصومهم من المعتزلة قد عولوا عليه تعويلًا كاملًا؛ فكان من اللازم البحث عن طريقة أخرى مخالفة لمنهجهم في التعامل مع النصوص.