فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 584

وقد انتهى القرن الثالث الهجري -تقريبًا- ولم يكن للتفويض أثر يُذكر (1975) ، في الوقت الذي انتشر فيه التأويل، وتشعبت مناحيه على يد المعتزلة ومَن سبقهم من الفرق المنتهجة لنفس المسلك كالجهمية، وتكاد الكتب المصنفة في هذه الحقبة تخلو من الإشارة إلى التفويض، أو مناقشة أصحابه قبولًا أو ردًّا، سوى لمحة عابرة من ابن قتيبة (ت 276 هـ) في كتابه «تأويل مشكل القرآن» ، يعترض فيها على من نفى العلم بمعنى المتشابه مطلقًا، وهو الأساس الذي قام عليه مبدأ التفويض قائلًا: «ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم يُنزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنى أراده» (1976) .

وكلام ابن قتيبة يدل على وجود نفر من القائلين بالتفويض في زمانه، وإن لم يسمهم تحديدًا، كما أن مذهبهم يعم سائر المتشابهات، ولا يقتصر على الصفات وحدها، ولعل أبا منصور الماتريدي (ت 333 هـ) من أوائل مَن مال إلى تفويض المعنى والكيفية في بعض الصفات الاختيارية -كالمجيء والاستواء- وتابعه على ذلك أصحابه من بعده (1977) .

وأما أبو الحسن الأشعري، فقد تبنى مسلك الإثبات في غالب الصفات الخبرية، ووُجدت له بعض صور التأويل في الصفات الفعلية الاختيارية، والمهم أنه لم يُعرف عنه القول بالتفويض؛ وإنما بدأ في الظهور لدى أتباعه في مرحلة لاحقة، ولا سيما عند الأشاعرة المهتمين بدراسة الحديث والأثر، والذين لهم تصانيف عديدة في هذا المجال، ولم يُعرف عنهم الاشتغال بمباحث علم الكلام الشائكة أو الإسراف في استخدام التأويل.

ويعد كلٌّ من الخطابي (ت 388 هـ) والبيهقي (ت 458 هـ) والنووي (ت 676 هـ) نماذج واضحة لهذا الاتجاه (1978) ، وإذا أخذنا البيهقي من بينهم كمثال، فسوف نجد أنه اختار في تعامله مع صفات الفعل الاختيارية إحدى طريقتين: إما التأويل، وإما التفويض، وهذا المسلك الأخير طبقه على صفات الاستواء والنزول، والمجيء والإتيان، ناسبًا ذلك إلى السلف ومتقدمي أصحابه الذين لم يفسروا أمثال هذه الصفات ولم يشتغلوا بتأويلها (1979) .

وخلافًا لهذا الاتجاه اتخذ أبو بكر بن فورك موقفًا معارضًا للتفويض، وردَّ على أصحابه بشدة، وعقد فصلًا في كتابه «مشكل الحديث وبيانه» يُبطل فيه مذهب مَن قال: إن الأخبار المروية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت