فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 584

في نصوص الصفات لا يجب الاشتغال بتأويلها وتخريجها وتبيين معانيها وتفسيرها، مستدلين بعبارات مروية عن السلف يأمرون فيها بإمرار الصفات كما جاءت دون تعرض لها، وخلاصة رد ابن فورك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطبنا بلغة العرب، وبألفاظها المعقولة فيما بينها، والمتداولة عندهم.

ولا بد أن يكون لتلك الألفاظ معنى صحيح مراد من الإخبار بها، وإلا لزم نسبتها إلى العبث، ولا طريق لمعرفة تلك المعاني إلا بواسطة اللغة، وعليه فإن القول بامتناع معرفة المعنى يؤدي إلى كون الخطاب لغوًا، ويفرغه من الفائدة، ولا يليق شيء من ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما قول السلف: أَمِرُّوها كما جاءت، فيُحمل على عدم الزيادة فيها أو النقصان منها؛ لئلا يؤدي إلى وقوع الغلط وتحريف المعاني (1980) .

ولم يُكتب لمعارضة ابن فورك قبول واسع أو استمرارية داخل المذهب، وظل عدد من أئمته يتبنون القول به، كما هو الحال عند إمام الحرمين الجويني، الذي اختار أولًا مسلك التأويل كما في «الإرشاد» (1981) و «الشامل» (1982) ، ثم عاد أخيرًا إلى التفويض في رسالته «النظامية» ؛ حيث ذكر اختلاف العلماء في نصوص الصفات وتعدد آرائهم نحوها «فامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها ... وذهبت أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه وتعالى» (1983) .

ثم أوضح الرأي المختار عنده، فقال: «والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع» (1984) ، ويتمثل الاتباع لديه في اعتقاد تنزه الباري عن صفات المحدثين، وعدم الخوض في تأويل المشكلات؛ بل يوكل معناها إلى الرب سبحانه وتعالى. ومن الواضح أنه تفويض للمعنى والكيفية وليس للكيفية وحدها، وسبق أن أشرنا إلى الفرق بين موقف السلف والتفويض بمعناه الاصطلاحي.

وعلى يد الغزالي ظهرت فكرة جديدة لم يكن لها وجود عند أئمة الأشاعرة السابقين؛ وهي تنوع طريقة التعامل مع النصوص الموهمة للتشبيه بتنوع أصحابها، فللخواص طريقة وللعوام أخرى، فالخواص يجوز لهم التأويل بقيود وضوابط محكمة إلا إذا تعارضت الاحتمالات فالأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت