ولعله بات واضحًا أن موقف المعتزلة والأشاعرة -لا سيما متأخريهم- من المتشابه لا يختلف كثيرًا، فظاهرة التعريفات المتعددة موجودة عند المدرستين، وكذا اعتماد العقل ضابطًا أساسيًّا في حمل المتشابه على المحكم والتمييز بينهما، لكن للأشاعرة مسلكان في التعامل مع المتشابه، وهما التفويض والتأويل، أما المعتزلة فليس عندهم إلا مسلك واحد وهو التأويل، كما أن المعتزلة يدرجون آيات الصفات كلها ضمن المتشابه، بينما يخالفهم الأشاعرة، ويقتصر متأخروهم على إدخال آيات الصفات الخبرية، دون غيرها.
استقر الفكر الاعتزالي على مجموعة من الآراء والأسس، تتمثل في أصولهم الخمس المعروفة، ولا يستحق أحد اسم الاعتزال حتى يجمع القول بها، وإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمسة فهو معتزلي (1893) ، ومن هذه الأصول ما ثبت عقلًا كالتوحيد والعدل، ومنها ما ثبت بالسمع وحده أو بالسمع والعقل معًا كالوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد جعل المعتزلة تلك الأصول -ومعها وربما قبلها العقل- بمثابة المنطلق الفكري الذي يتعاملون من خلاله مع النصوص الشرعية، وكان من الطبيعي -والحالة هذه- أن يواجهوا عددًا كبيرًا جدًّا من الأدلة النقلية التي لا تتفق مع ذلك المنطلق، سوءا في كتبهم الكلامية أو في تفاسيرهم للقرآن أو في مجادلة الخصوم، ومن ثم احتاجوا إلى التأويل، واشتدت عنايتهم به، وأكثروا من استخدامه فيما لا يُحصى من الآيات والأحاديث.
ويلاحظ أن التأويل سمة بارزة داخل المذهب الاعتزالي ومحل اتفاق بينهم، وقلما يوجد أحدٌ من أئمتهم لم يشارك في القول به بصورة أو بأخرى، مع تفاوت في الدرجة والمقدار، فكلما برزت النزعة العقلية وقلت العناية بالنقل- كثر استخدام التأويل، والعكس صحيح، ولا يخرج عن هذا الحكم العام سوى الجعفرين «جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر» إن صح ما نُسب إليهما من الإعراض عن التأويل، وإعمال الرأي والقياس، والتزام ظاهر الكتاب والسُّنَّة (1894) .
وترجع جذور التأويل إلى مؤسسي المذهب واصل وعمرو بن عبيد، وسبق أن ذكرنا مفهوم المحكم والمتشابه عندهما، وتأثره بمسألة الحكم على مرتكب الكبيرة، مما أدى إلى اعتبار الآيات