فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 584

المخالفة للتصور الاعتزالي متشابهة، ومن المؤكد أن كلا الرجلين قد استخدم التأويل عندما أصَّلا القول بالمنزلة بين المنزلتين أو الوعد والوعيد، فكثير من الآيات تخالف هذين الأصلين، وإن كان من الواضح وجود قدر غير قليل من الاختلاف في موقفيهما العملي، ففي رسالة بعث بها واصل إلى عمرو أنكر عليه الإسراف في التأويل، وأنحى باللائمة على ما أحدثه من تنقيص المعاني وتفريق المباني، ثم نصحه قائلًا: «فأدِّ المسموع، وانطق بالمفروض، ودع تأويلك الأحاديث على غير وجهها، وكن من الله وجِلًا، فكأن قد» (1895) .

وبعد مرحلة النشأة ترسخت ظاهرة التأويل عند المعتزلة، وصارت إحدى الطرق الأساسية في تعاملهم مع أدلة النقل المخالفة لمذهبهم، وتعد التفاسير الاعتزالية التي وصلت إلينا مجالًا خصبًا يمكن أن يُستفاد منه كثيرًا في تجلية موقفهم من التأويل، ولا سيما أنهم قد اهتموا بالتصنيف في هذا المجال، وصبغت تفاسيرهم بصبغة مذهبية واضحة لا تخفى على المطالع، بحيث تحول التفسير في كثير من الأحيان إلى وسيلة لتعضيد المذهب ونصرته والرد على المخالفين، كما أن منهجهم في التفسير يتصل اتصالًا وثيقًا بمفهومهم للتوحيد والعدل، وينطلق منه في أسسه العامة وقواعده الكلية؛ لأن تقديم القول بالتوحيد والعدل ليس ضروريًّا فحسب في مجال التفسير، بل لا بد منه لمعرفة النبوات والشرائع جميعًا، ويجب عندهم أولًا أن يُعرف الله بصفاته وعدله، ثم تُعلم النبوات، ثم يُعلم الفقه والشرائع والحديث والتفسير؛ لأن معرفة الشرع لا تتم إلا بمعرفة الكتاب والسنن، ولا يصح شيء منها إلا بعد معرفة الله وتوحيده وعدله (1896) .

ويشترط القاضي عبد الجبار في المفسِّر (1897) شرطًا ضروريًّا وهو العلم بتوحيد الله وعدله، وما يجب له من الصفات، وما يصح وما يستحيل، وما يحسن منه فعله وما لا يحسن، وبدون تحقيق ذلك طبقًا للمفهوم الاعتزالي لا يمكن أن يكون تفسيره صحيحًا أو مقبولًا؛ لاختلال القاعدة الرئيسية التي يُبنى عليها التفسير والنظر في معاني كتاب الله سبحانه وتعالى.

وتتسم التفاسير الاعتزالية بعدد من السمات، يهمنا منها ما له صلة بالتأويل، ومن ذلك (1898) :

(أ) اعتمادهم على المعقول أكثر من اعتمادهم على المنقول، بل إنهم جعلوا العقل أساسًا ومرجعًا، ولا سيما في تفسير الآيات المتشابهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت