(ب) اتباعهم الطريقة اللغوية الصارمة، كما يصفها بعض المستشرقين، فيحاولون إبطال المعنى المشتبه في اللفظ القرآني أولًا، ثم يثبتون لهذا اللفظ معنى موجودًا في اللغة يُزيل الاشتباه الذي يظهر لأول وهلة.
(جـ) اعتمادهم على الفروض المجازية وغيرها من طرائق الأساليب اللغوية، فالقرآن يمثل القمة السامقة في جمال التعبير والنظم ويُقبل في رأيهم، كما يحتوي على الكثير من المجازات والاستعارت؛ ولذا لجئوا إلى الصيغ التمثيلية والتخيل في العديد من المواضع.
ومن أبرز الوسائل اللغوية التي استعان بها المعتزلة «المجاز» ويقصدون به «ما استعمل في غير ما وُضع له» ، واستعماله إما بنقل أو زيادة أو نقصان، ويستدلون على وقوعه في القرآن بأن الله تعالى خاطب بلغة العرب، فجاز أن يخاطب بضروب الكلام المتنوعة والموجودة فيها، كما ورد في القرآن العموم والخصوص والمجمل والمبين فكذلك المجاز، وهم يعتبرونه بابًا من أبواب البلاغة والتصرف في الكلام، وكلما كان مجال الاتساع أكثر كان أفصح وأحسن، بل ربما يكون أبلغ في المعنى من الحقيقة (1899) ، لكنهم في الوقت الذي تبنوا فيه القول بوقوع المجاز وأسرفوا في استخدامه- نراهم ينبهون على أن الأصل حمل الكلام على ظاهره وحقيقته في أصل اللغة إلا إذا قامت الدلالة على نقله عن الحقيقة، ولا بد حينئذٍ أن تكون تلك الدلالة ظاهرة غير خفية؛ لأن الكلام لا يحتمل الحذف والزيادة والنقل لدلالة غامضة.
ولبعض مفسريهم ردود وانتقادات على من صرف الكلام عن ظاهره مع إمكان البقاء عليه، ففي تفسير قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} [الزخرف: 26] يرى الحاكم الجشمي (1900) أن الآية تدل على أن آزر هو أبو إبراهيم وكان كافرًا، ولا مانع من ذلك، فلا يصلح العدول عن هذا الظاهر إلى أن آزر عمه؛ إذ نطق القرآن بذكر الأب في مواضع كثيرة، ويتكرر نفس المسلك في تفسير قوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] حيث ينقل عدة أقوال منها ما يُخرِج الآية عن معناها المتبادر من اللفظ، ثم يرجح ما قاله الجبائي من كون الآية تدل على وجوب تطهير الثياب عند الصلاة، وإذا أمكن حمل اللفظ على حقيقته فلا معنى للعدول عنه إلا بتوسع أو تعسف، وهكذا فالأصل عند المعتزلة على المستوى النظري حمل الكلام على ظاهره، وقد نص على ذلك كلٌّ من القاضي عبد الجبار (1901) وتقي