إذا رُدت إلى المحكم وعرف معناها لم تعد متشابهة، وبهذا يكون وجود المتشابه قليلًا وليس بكثير (1872) ، وذلك ما يتماشى مع وصف الله للمحكم بأنه أُمُّ الكتاب، وأُمُّ الشيء معظمه وعامته وأصله، ثم وصف المتشابه بصيغة تدل على التقليل، فقال تعالى: {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] ولو كان المتشابه كثيرًا لتعددت أوجه الالتباس والإشكال، والقرآن موصوف بالبيان والهدى {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138] .
عُني الفكر الاعتزالي عناية بالغة بقضية المحكم والمتشابه، وأولاها أئمة المذهب اهتمامًا كبيرًا، بدءًا من واصل بن عطاء وصاحبه عمرو بن عبيد (1873) ، وانتهاءً بالقاضي عبد الجبار وتلامذته المتأخرين، وظهر عدد كبير من المؤلفات التي تحمل عنوان «متشابه القرآن» (1874) وتعرِض للآيات التي يُظن أنها من قبيل المتشابه، محاوِلة التعامل معها بأوجه مختلفة لإزالة ما فيها من تعارض مع المحكمات.
ولم يتفق المعتزلة على مفهوم واحد لكلا المصطلحين، فالمحكمات عند واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هي ما أعلم الله سبحانه وتعالى من عقابه للفساق، كقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] وما أشبه ذلك من آي الوعيد، وأما المتشابهات فما أخفى الله عن العباد عقابه عليها، ولم يبين أنه يعذب عليها كما بين في المحكم (1875) ، ويبدو أن الاختلاف حول حكم مرتكب الكبيرة ومسائل الوعد والوعيد -وهي مثار النزاع في ذلك العصر- كانت مستحوذة على فكرة واصل وعمرو؛ مما حدا بهما أن يجعلا الآيات المصرحة بالوعيد والعقاب المعين محكمةً، وما لم ينص فيها على عقاب بعينه متشابهة.
وذهب الإسكافي إلى أن المحكمات هي التي لا تأويل لها غير تنزيلها، ولا يحتمل ظاهرها الوجوه المختلفة، بينما المتشابهات ما احتمل ظاهرها في السمع المعاني المختلفة، وقريب منه ما اختاره الأصم متأثرًا بنظرة واصل، ومشكلة الوعد والوعيد من أن المحكم هو الحجج الواضحة، والمتشابه ما لم يكن كذلك، ويضرب أمثلة بأخبار الأمم الماضية وخلق الإنسان من نطفة، فكل ذلك محكم، أما المتشابه فكالقيامة والبعث بعد الموت والنسخ في الأحكام (1876) .