فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 584

ويرادف القاسم الرسي بين عدة مصطلحات ينقسم إليها القرآن، كالأصول والفروع، والواضح والخفي، والمحكم والمتشابه، ويعدُّ المحكم بمنزلة الأصل من المتشابه الذي هو فرع، ومن اللازم أن يكون الأصل -أي المحكم- لا اختلاف فيه، ولا يخرج تأويله عن تنزيله، والواجب على كل أحد أن يفسر المتشابه والخفي والفرع على ضوء المحكم والواضح، وهو ينكر بشدة على الحشوية الذين نفوا وجود المتشابه، وقالوا: إن القرآن كله محكم، ويرى أن قولهم هذا كان السبب لأن يقعوا في التشبيه والتجسيم (1877) .

ويتقارب المفهوم لدى المتأخرين أمثال القاضي عبد الجبار (1878) ، والحاكم الجشمي (1879) ، والزمخشري (1880) ، فالمحكم عندهم ما أحكم المراد بظاهره، فيستغنى عن البيان لوضوحه، وأما المتشابه فما لم يحكم المراد بظاهره، بل يحتاج إلى بيان وقرينة؛ لاشتباه المراد، والواجب أن يُجعل المحكم أصلًا للمتشابه، وواضح أن هذا التعريف قائم على عملية تحليل لُغوي لكلا المصطلحين، فالمحكم في نظر القاضي إنما وُصف بذلك؛ لأن محكمًا أحكمه، كما أن المكرم إنما وُصف بذلك لأن مكرمًا أكرمه، ولما علمنا أنه تعالى لا يوصف بإحكام هذه الآيات من حيث تكلم بها فقط، وإلا انتفى الفرق بين المحكم والمتشابه؛ وجب أن يكون المراد بإحكام المعنى أنه سبحانه وتعالى جعله على صفة مخصوصة، فلا تحتمل إلا ما أريد به في أصل اللغة أو التعارف وشواهد العقل، وأما المتشابه فهو الذي جعله سبحانه وتعالى على صفة تشتبه على السامع من حيث خرج عن مدلوله الظاهر، ويحتاج في معرفته إلى الرجوع لغيره من المحكمات (1881) .

وإذا نحينا جانبًا الخلاف حول المفهوم فيمكن أن نلحظ اتفاق المعتزلة على رأي واحد في كيفية رد المتشابه إلى المحكم، وهذه المسألة هي موضوع صلة المحكم والمتشابه بالتأويل، فهم يوجبون رد المتشابه إلى المحكم، وهذا مما اتُّفق عليه بين سائر المسلمين، لكن محل الخلاف الحقيقي هو أن المحكم الذي سيُرد إليه المتشابه لا بد أن يكون موافقًا لأدلة العقول وآراء المذهب، فكل ما وافق الأصول الخمسة فهو محكم، وما خالفها متشابه، وهنا يأتي دور التأويل ليقوم بحمل المتشابه على المحكم، أو بعبارة أدق: على أصول المذهب وعقائده.

وقد صرح القاضي بأنه «يجب أن يترتب المحكم والمتشابه جميعًا على أدلة العقول» (1882) وأن «أقوى ما يُعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول» (1883) وعلل ذلك بأن اللفظ بوضعه اللغوي يحتمل أكثر من معنى، فلو لم يرجع إلى أمر لا يحتمل لم تصح التفرقة بين المحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت