والمتشابه، ومقتضى كلامه: أنه لولا دلالة العقل لم نعرف معنى المحكم في نفسه، ومن باب أولى لن نستطيع التفرقة بينه وبين المتشابه أو رده إليه.
وأصل المسألة عند المعتزلة: أن القرآن بما يشمله من محكم ومتشابه كلام الله، والكلام لا يثبت صدقه وصحة دلالته على ما فيه من أخبار لأمر ذاتي، وإنما لكون المتكلم به حكيمًا، ولا يفعل القبائح، ولا يمكن التحقق من ذلك إلا بالعقل طبقًا لفكرة الدور، وعليه فإن معرفة المحكم- الذي يمثل غالب آيات القرآن- وكذلك المتشابه، تبنى على العقل (1884) ، ومع أن القاضي يذكر أنواع القرينة التي يحتاج إليه المتشابه ليدل على المراد منه ويقسمها إلى عقلية وسمعية، والسمعية إما في نفس الآية التي ورد فيها اللفظ المتشابه أو في آية أخرى من نفس السورة، أو في سورة أخرى، أو في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في إجماع الأمة (1885) ، لكن تظل القرينة العقلية هي السائدة والمسيطرة والأَوْلى بالاتباع، وأظن أنه لا تعوزنا النماذج التطبيقية التي تدلل على صحة هذا الفرض، فكتاب القاضي «متشابه القرآن» تطبيق عملي لنظرة المعتزلة إلى المحكم والمتشابه، وكيفية تعاملهم مع كل آية يخالف ظاهرها العقل، أو أصول المذهب الخمسة، ومثله كتاب الشريف المرتضى «إنقاذ البشر من الجبر والقدر» (1886) حيث يسوق أولًا مذهب المعتزلة، وعلى إثره الآيات الموافقة له، ويعدها محكمة، ثم يتبعها بشُبه الخصوم والآيات المعارضة للمذهب، والتي في نظره متشابهة، فيقوم بتأويلها وصرفها عن ظاهرها.
ويندرج أهم تفسيرين اعتزاليين وصلا إلينا، وهما «الكشاف» للزمخشري، و «التهذيب في التفسير» للحاكم الجشمي تحت الحكم السابق، فالقاعدة الرئيسية التي ينطلق منها كلا المفسرين هي أن الآيات التي يؤيد ظاهرها المذهب الاعتزالي محكمة، والتي تخالفه متشابهة، ولا بد من رد المتشابه إلى المحكم، ورسالة التفسير عند المعتزلة هي القيام بهذه المهمة الخطيرة، ويظهر بوضوح في كلا التفسيرين إقامة الأصول الخمسة كمعالم بارزة ينطلق منها المفسر، وتدار معاني الآي عليها، ويلح في إبراز دلالة ما وافقها، وأما ما سوى ذلك ففي اللجوء إلى التأويل والمجاز والاعتماد على فنون اللغة ومسالكها المتنوعة- ما هو كفيل برده إلى تلك الأصول (1887) .
وننتقل إلى الأشاعرة، وقد اهتموا كذلك بالبحث في قضية المحكم والمتشابه، ولشيخ المذهب أبي الحسن كتاب في متشابه القرآن (1888) وثمة تعريفات متنوعة قدمها أئمة المذهب في مراحله المختلفة، فالجويني بعد أن عرض لآراء المتكلمين اختار أن المحكم كل ما عُلم معناه وأُدرك