فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 584

فحواه، والمتشابه هو المجمل؛ أي: الذي لا يعقل معناه ولا يدرك مقصود اللافظ ومبتغاه (1889) .

والمحكم عند الغزالي يطلق على معنيين؛ أحدهما: المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال، والآخر: ما انتظم وترتب ترتيبًا مفيدًا، ولم يكن فيه تناقض أو اختلاف، والمتشابه بدوره يرِد بمعنى المشترك، كما ينطبق على آيات الصفات التي توهم التشبيه، وتحتاج إلى تأويل (1890) ، وجمع الرازي بين تعريفي الجويني والغزالي منتهيًا إلى أن المتشابه يشمل المجمل، والمؤول، والمشترك، أي: الألفاظ غير الواضحة تمامًا في دلالتها، خلافًا للمحكم وهو اللفظ الدال على معناه، إما قطعًا وهو ما يُعرف بالنص، وإما ترجيحًا وهو ما يُعرف بالظاهر (1891) .

ولن نقف طويلًا عند الخلاف حول التعريف، والمهم هو اتفاق الأشاعرة على وجوب رد المتشابه إلى المحكم، لكن يبقى معرفة الضابط الذي من خلاله يُحكم على النص بالإحكام أو التشابه، وكيفية رد هذا إلى ذاك، وقد حاول الرازي إيجاد قانون يُرجع إليه في هذا الباب، ويفصل النزاع بين الطوائف المختلفة، وخلاصة ما ذكره (1892) : أن محاولة رد المتشابه إلى المحكم في حقيقتها ليست إلا صرفًا للفظ عن معناه المرجوح إلى معناه الراجح، ولا بد فيها من دليل منفصل، وذلك الدليل إما أن يكون لفظيًّا وإما عقليًّا.

والدليل اللفظي لا يصلح -من وجهة نظره- لأن يكون صارفًا؛ إذ يتعارض حينئذ مع اللفظ المتشابه المراد صرفه عن ظاهره، ولما كان الدليل النقلي لا يفيد القطع واليقين عند الرازي فتظل المسألة في حيز الترجيح بين دليلين ظنيين؛ أحدهما: المتشابه، والآخر: الصارف، ولا يبقى صالحًا لصرف المتشابه عن ظاهره سوى الدليل العقلي القاطع على أن ما أشعرت به ألفاظ المتشابه محال.

وهكذا يتفق الرازي مع المعتزلة في أن الفيصل في قضية المحكم والمتشابه هو العقل، وإن كان يختلف معهم في نقطة أخرى، وهي أن الدليل العقلي لا يفيد سوى التأويل الإجمالي للمتشابه وصرفه عن ظاهره، أما التأويل التفصيلي وتعيين معنى معين يُحمل عليه اللفظ فذلك غير ممكن، فالأولى الكف وعدم الخوض في تعيين التأويل، وهذا التوقف يمثل ما يُعرف بالتفويض، وهو ما سوف نتحدث عنه في المبحث القادم، إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت