فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 584

لم يتوسع أئمة المعتزلة والأشاعرة في بحث هذه المسألة، وليس بين أيدينا أقوال صريحة يتعرضون فيها للكلام عن حجية أقوال الصحابة في مجال العقيدة، وإن كان ثمة اعتبارات عدة تجعل الباحث يقرر باطمئنان أن رجال المدرستين لا يرون أقوالهم دليلًا مستقلًّا، أو حجة معتمدة في إثبات الأحكام العقدية، وأبرز تلك الاعتبارات ما يلي:

1 -تعددت نصوص أئمة المذهبين في تعداد مصادر الاستدلال، ووردت أقوال واصل بن عطاء (1265) ، والنظَّام (1266) ، والجاحظ (1267) ، والقاسم الرسي (1268) ، والقاضي عبد الجبار (1269) ، وغيرهم من أئمة الاعتزال تحصر الأدلة في الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل، مع تفاوت في ذكر دليل أو إنقاص آخر؛ لكن أحدًا منهم لم يذكر مطلقًا قول الصحابي ضمن تلك الأدلة، وكذلك الحال عند الأشاعرة؛ حيث عدَّد أبو الحسن الأشعري (1270) ، والباقلاني (1271) وغيرهما مصادر الأدلة، ولم يذكروا أقوال الصحابة من بينها، مما يؤكد أن المذهبين متفقان على أن قول الصحابي ليس دليلًا مستقلًّا، أو حجة واجبة الاتباع في المسائل الشرعية أصولًا أو فروعًا.

2 -تبين لنا من عرض آراء المذهبين حول حجية قول الصحابي في مجال التعبد أنهم لا يعتدون بها، وإذا كان هذا في مجال العمليات التي يُكتفى فيها عندهم بغلبة الظن، فكذلك الحال من باب أولى في مجال العقيدة والأصول، التي يشترطون فيها الأدلة القطعية دون ما سواها من الظنيات.

3 -ليست أقوال الصحابة مهما قيل بشأنها أحسن حالًا من أحاديث السُّنَّة، والتي تقدم تفصيل موقف المذهبين تجاهها، فحتى لو فُرض أن قول الصحابي حجة فليس هناك سبيل لنقله إلا أخبار الآحاد، وحكمها معروف عند الفريقين، مع التنبيه على أن أقوال الصحابة لا يمكن أن تنال نصيبًا مماثلًا من العناية التي حظيت بها نصوص السُّنَّة روايةً وضبطًا وتصحيحًا وتضعيفًا وتأليفًا وتصنيفًا، وبالرغم من ذلك كله لقيت من الرد والتضعيف لشطرها الأكبر وهو الآحاد، ما يجعل القول بحجية قول الصحابي مع نقله آحادًا- ضربًا من التسليم النظري الذي لا طائل من ورائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت